والمجتهد إذا ما عرف علة حكم منصوص عليه ووجد واقعة أخرى لم يرد نص بحكمها ولكنها تساوي الواقعة الأولى في علة الحكم فإنه يعدي الحكم المنصوص عليه إلى الواقعة الأخرى المساوية للأولى في علتها فهو لم يثبت حكما جديدا بالقياس وإنما أظهر وكشف عن حكم كان ثابتا للمقيس من وقت ثبوته للمقيس عليه لكن تأخر ظهوره إلى وقت بيان المجتهد له بواسطة وجود العلة.
فالقياس يؤول فيما يثبته من أحكام إلى الأصل الثابت في القرآن أو السنة أو الإجماع كما أن العمل بالقياس عمل بمعقول النص، إذ مبنى القياس على العلل فهو إسناد للأحكام إلى علل النصوص، إذ النصوص تستفاد منها الأحكام من ألفاظها مباشرة ومن معانيها بواسطة أوجه الاجتهاد المختلفة التي منها القياس لذا قالوا: القياس مظهر للأحكام لا منشئ لها ابتداءً؛ فمنشئ الأحكام ابتداء هو الله -عز وجل-.
أما القياس وسائر الأدلة الاجتهادية فإنها تظهر أحكام الله التي تخفى علينا، ومنع الإمام الشافعي أن يقال: إن القياس حكم الله تعالى على الإطلاق بل يقال: حكم الله مقيدا له بأنه الثابت بالقياس وذلك لأن لفظ"حكم الله"إنما ينصرف في الظاهر للمنصوص عليه فيمتنع إطلاقه على القياس وإن كان فيه حكم الله تعالى من طريق الاجتهاد إشفاقا أن يقطع على الله بذلك فإذا أطلق عليه حكم الله كان على التقييد فإن القياس وغيره من الأدلة الاجتهادية تفيد غلبة الظن بأن حكم الله في صورة الفرع كذا دون القطع به فهي فعل المجتهد ووظيفتها الكشف عن حكم الله تعالى وإظهاره لرجوعه إلى علل النصوص ومعانيها المعقولة منها.
7 -لا قياس مع النص:
اتفق الأصوليون على أن القياس الشرعي الصحيح المستكمل لأركانه وشروطه لا يتصادم مع النص الشرعي بحال من الأحوال فإذا تصادم قياس مع نص شرعي دل على خطأ المجتهد في عملية القياس ووجب عليه أن يستأنف اجتهادا جديدا في الواقعة التي يريد التعرف على حكمها ومن هنا قالوا:"لا قياس مع النص"،"لا اجتهاد مع النص"،"القياس في مقابلة النص لا يصح"،"القياس لا يصار إليه مع النص".. إلخ ذلك، لأن كل حكم ثبت بالاجتهاد أتى مخالفا لنص ثابت فهو باطل مردود وهذا معيار لقبول القياس من عدمه؛ إذ لا يلتفت لكل قياس أو