وهذا كما أوجب العبادات المالية كالزكوات والكفارات وغيرها على أرباب الأموال دون من ليس عنده مال؛ تعليقًا للحكم بعلته وسببه، وكما فرّق بين الناس في مقدار الواجبات وأجناسها بحسب قدرتهم واستعدادهم، وبهذا يعرف حكمة الله وشمول رحمته وحسن أحكامه {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] .
وما خالف هذه المساواة التي يتشدق بها المنحرفون بين الرجال والنساء، وبين الأغنياء والفقراء، فإنها مادية ضارة، لا يستقيم عليها دين ولا دنيا؛ لخلوها من الدين والروح الإنسانية الشريفة، ومخالفتها لسنة الله التي لا تبديل لها، ولا صلاح إلا بها، التي تكفل للآدميين كرامتهم وشرفهم وحقوقهم الدينية والمادية.
وإذا أردت معرفة فساد ما خالفها فانظر إلى آثارها؛ كيف انحلت منهم الأخلاق الجميلة، وتبدلوا بها الأخلاق الرذيلة، وذهب معها الرحمة والشفقة والنصح، وكيف كانت تسير بهما إلى الهلاك، وهم يشعرون أو لا يشعرون" [1] ."
إن المساواة في الإسلام مبدأ يطبقه المسلمون كل يوم دون أن يشعروا، وذلك عندما يصطف المسلمون في مساجدهم لأداء الصلاة، الفقير بجانب الغني، والأبيض بجانب الأسود، والعربي بجوار الأعجمي، ويتكرر هذا المشهد في كثير من العبادات الإسلامية، ولعل فريضة الحج من أعظم الشعائر الإسلامية التي يبرز فيها مبدأ المساواة، حيث يخلع الجميع ثيابهم التي تفرق بعضهم عن بعض، ويلبسون زيًا
(1) الرياض الناضرة ص (157، 158) .