الصفحة 5 من 46

فهذه الحكمة التي نطق بها الصاحب من أبلغ الحكم وأصدقها فعلى قدر همة المرء يكون همّه؛ لأن مَن لا همته له لا هم له سوى النوم والدعة والمهانة وغيرها من خوارم المروءة بخلاف صاحب الهمة العالية، فإن له همًا كبيرًا لنفسه ودينه وإخوانه المسلمين، ونفسه دائمًا تواقة للمعالي، فنجاح الإنسان بقدر همّه وهمته، قال بشار بن برد:

قاسِ الهمومَ تنلْ به نُجحا

والليلَ إِن وراءه صُحبا

[مجمع الحكم والأمثال ]

وصاحب الهمّ السامي لا بدّ له من تعب وعناء ومشقة؛ إذ عليه أن يغادر شهوات نفسه، ويتعبها ويرهقها لتحقيق مراده وغايته، ولكن هذا التعب والمشقة يصحبه سعادة قلبية بالشعور الدائم في نيل رضا المولى ( لا تعدوه سعادة دنيوية، فهو تعب لذيذ وطيب، قال المتنبي:

وأتعبُ خَلْقِ اللَّهِ من زاد همهُ

وقَصَّرَ عما تشتهي النفسُ وجدهُ

[خزانة الأدب 1: 203، وقرى الضيف 1: 180]

وقال أيضًا:

حا اللّهُ ذي الدنيا مناخًا لراكبٍ

فكل بعيد الهمِّ فيها معذَّبُ

[مجمع الحكم والأمثال: ]

فالحقيقة التي ينبغي أن ندركها أنه لا تستقيم الحياة السوية لصاحبها بلا همّ يحمله ويسعى لتحقيقه، وها هو الشاعر مسعود سماحة يعتبر أن الهمّ القوت للرجل فيقول:

أقسمتُ لو قدروا لي أن أعيش بلا

همٍ خليًا من الأوصابِ والعللِ

لمكانَ هميَ أن أسعى مباشرةً

للّهمِّ فالهمُّ مثل القوتِ للرجلِ

[مجمع الحكم والأمثال ]

وهذه الدنيا الدنية التي نعيشها لا تستحق أن تكون همًا لأصحاب الهمم العالية، بل يكون همهم عظيمًا على قدر هممهم، ولا أعظم من همّ حياة أبدية، والجري لنيلها، برفع لواء الإسلام في الجهاد في سبيله وتعليمه أحكامه، وبذل الغالي والنفيس في ذلك، وهذا متيسر لأصحاب النفوس العظيمة الأبية، قال أبو فراس الحمداني:

تهون علينا في المعالي نفوسنا

ومن يخطب الحسناء لم يغله المهر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت