بل قد يستدلون أحيانًا بأحاديث لاَ خَطَمَ لَهَا وَلاَ أَزِمَّةَ , مما يذكر في الكتب ولا يعرف له أصل ولا سند! حتى شاع عند بعض علماء الحديث قولهم: «هَذَا مِنْ حَدِيثِ الفُقَهَاءِ!» يعنون: أنه ليس له أصل معروف.
والغالب على المشتغلين بالحديث أنهم لا يجيدون معرفة الفقه وأصوله , والقدرة على استنباط أحكامه واستخراج كنوزه ودقائقه , والاطلاع على أقوال أئمته , وتعدد منازعهم ومشاربهم وأسباب اختلافهم , وتنوع اجتهادهم.
مع أن كل فريق في حاجة ماسة إلى علم الآخر , ليكمل به ما عنده , فلا بد للفقيه من الحديث , فإن جل أحكام الفقه ثابتة بالسنة , ولا بد للمحدث من الفقه , حتى يعي ما يحمله , ولا يكون مجرد ناقل , أو يفهمه على غير وجهه.
وهذا أمر لاحظه علماؤنا السابقون , ونددوا بمن أهمله , حَتَّى رُوِيَ عن بعض الأعلام مثل سفيان بن عيينة , أنهم قالوا: «لَوْ كَانَ الأَمْرُ بِيَدِنَا لَضَرَبْنَا بِالجَرِيدِ كُلَّ مُحَدِّثٍ لاَ يَشْتَغِلُ بِالفِقْهِ , وَكُلَّ فَقِيهٍ لاَ يَشْتَغِلُ بِالحَدِيثِ!» .
ومن الغريب أن كتب الفقه فيها كثير من الأحاديث الضعيفة , مع أن من المتفق عليه أن الحديث الضعيف لا يعمل به في الأحكام , على حين قبله الأكثرون في الفضائل والترغيب والترهيب.
بل يوجد في كتب الفقه الضعيف الشديد الضعف , والموضوع , وما لا أصل له بالمرة.
وهذا ما حفز بعض كبار المحدثين لتأليف كتب في تخريج الأحاديث التي يستشهد بها الفقهاء.
كما فعل ابن الجوزي في كتاب"التحقيق في تخريج التعاليق"وقد هذبه ابن عبد الهادي في كتابه"تنقيح التحقيق".
كما ألف بعض الحفاظ كُتُبًا في تخريج أحاديث كُتُبٍ فِقْهِيَّةٍ لها شهرة وانتشار، مثل كتاب"نصب الراية لأحاديث الهداية"للحافظ جمال الدين الزيلعي (ت 762 هـ) وقد طبع مِرَارًا في أربعة مجلدات , كما اختصره الحافظ ابن حجر في