النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من فتنة الفقر [1] , وسؤاله من الله تعالى العفاف والغنى [2] , وقوله لسعد: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ العَبْدَ الغَنِيَّ، التَّقِيَّ، الخَفِيَّ» [3] وقوله لعمرو بن العاص: «نِعْمَ المَالُ الصَّالِحِ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ» [4] .
من أجل ذلك رُدَّ الحديث المذكور , والحق أن المسكنة هنا لا يراد بها الفقر , كيف وقد استعاذ بالله منه وقرنه بالكفر «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكُفْرِ، وَالفَقْرِ» [5] ؟ وفد امتن ربه عليه بالغنى فقال: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} [الضحى: 8] .
إنما المراد بها التواضع وخفض الجناح , قال العلامة ابن الأثير: «أَرَادَ بِهِ التَّوَاضُعَ وَالإِخْبَاتَ , أَلاَّ يَكُونَ مِنَ الجَبَّارِينَ المُتَكَبِّرِينَ» .
وهكذا عاش - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعيدًا عن حياة المستكبرين ولو في الشكل والصورة , يجلس كما يجلس العبيد والفقراء , ويأكل كما يأكلون. ويأتي الغريبُ فلا يميزه من أصحابه , فهو معهم كواحد منهم. وهو في بيته يخصف نعله بيده , ويرقع ثوبه , ويحلب شاته ويطحن بالرحا مع الجارية والغلام.
ولما دخل عليه رجل هابه فارتعد , فقال له: «هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَلَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ، كَانَتْ تَأْكُلُ القَدِيدَ بِمَكَّةَ» .
وقرا بعضهم الحديث الذي رواه أبو داود والحاكم وصححه غير واحد عن أبي هريرة مرفوعًا: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ [مِائَةِ] سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا» [6] .
ففهم من التجديد أنه تطوير الدين وتغييره ليلائم الزمن فقال: الدين لا يجدد , الدين ثابت لا يتغير , وليست مهمة الدين أن يلائم التطور , إنما مهمة التطور أن يلائم الدين.
(1) رواه البخاري ومسلم عن عائشة، المصدر السابق: (1288) .
(2) رواه مسلم والترمذي وابن ماجه عن ابن مسعود. نفسه: (1275) .
(3) رواه أحمد ومسلم عن سعد بن أبي وقاص. نفسه: (1882) .
(4) رواه أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. انظر الحديث الأول من تخريج"مشكلة الفقر".
(5) رواه الحاكم والبيهقي في الدعاء عن أنس."صحيح الجامع": (1285) .
(6) رواه أبو داود في كتاب الملاحم من"سننه"برقم (4270) والحاكم في"المستدرك": (4/ 522) والبيهقي في"معرفة السنن والآثار"وغيرهم، وصححه العراقي والسيوطي كما في"فيض القدير": (2/ 282) .