والأصناف الثمانية مصارفها , ولهذا وجبت فيها النية , ولم يجز أن يفعلها الغير عنه بلا إذنه , ولم تطلب من الكفار , وحقوق العباد لا يشترط لها النية , ولو أداها غيره عنه بغير إذنه برئت ذمته ويطالب بها الكفار [1] .
إن المسارعة برد كل حديث يُشْكِلُ علينا فهمه ـ وإن كان صحيحًا ثابتًا ـ مجازفة لا يجترىء عليها الراسخون في العلم.
إنهم يحسنون الظن بسلف الأمة , فإذا ثبت أنهم تلقوا حديثًا بالقبول , ولم ينكره إمام معتبر , فلا بد أنهم لم يروا فيه مطعنًا من شذوذ أو علة قادحة.
والواجب على العالم المنصف أن يبقي على الحديث , ويبحث عن معنى معقول أو تأويل مناسب له.
وهذا هو الفرق بين المعتزلة وأهل السنة في المجال.
فالمعتزلة يبادرون برد كل ما يعارض مُسَلَّمَاتِهِمْ المَعْرِفِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ من مشكل الحديث , وأهل السنة يعملون عقولهم في التأويل , والجمع بين المختلف والتوفيق بين المتعارض في ظاهره.
ومن أجل هذا أَلَّفَ الإمام أبو محمد ابن قتيبة (ت 267 هـ) كتابه المعروف"تأويل مختلف الحديث"رَدًّا على الزوابع التي أثارها المعتزلة حول بعض الأحاديث , والتي زعموا أنها معارضة للقرآن , أو للعقل , أو يكذبها العيان أو تناقضها أحاديث أخرى.
وجاء بعده مُحَدِّثُ الحنفية الإمام أبو جعفر الطحاوي (ت 321 هـ) فألف كتابه"شرح مشكل الآثار"في أربعة مجلدات [2] , محاولًا أن يجد لهذه الأحاديث المشكلة تأويلًا مقبولًا , ووجهًا معقولًا.
(1) من كتاب"الإيمان"لابن تيمية، ضمن"مجموع الفتاوى": ج 7/ 314 - 316.
(2) طبعته أخيرًا مؤسسة الرسالة في ثمانية مجلدات بتحقيق شعيب الأرناؤوط.