فهرس الكتاب

الصفحة 3150 من 10772

وهذا الوجه وإن كان الناسُ قد ذكروه ورجَّحوه واختار سيبويه - كما مرَّ - فن بعضهم استشكل عليه إشكالًا وهو: أنَّ الكذبَ لا يقع في الآخرة فكيف وُصِفوا بأنهم كاذبون في الآخرة في قولهم «ولا نكذِّب ونكون» ؟ وقد أُجيب عنه بوجهين، أحدهما: أن قوله {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} استيثاقٌ لذَمِّهم بالكذب، وأن ذلك شأنهم كما تقدَّم ذلك آنفًا. والثاني: أنهم صَمَّموا في تلك الحال على أنهم لو رُدُّوا لَمَا عادوا إلى الكفر لِما شاهدوا من الأهوال والعقوبات، فأخبر الله تعالى أنَّ قولَهم في تلك الحال: «ولا نكذِّبُ» وإن كان عن اعتقاد وتصميم يتغيَّر على تقدير الرد ووقوع العَوْد، فيصير قولهم: «ولا نكذب» كذبًا، كما يقول اللص عند ألم العقوبة: «لا أعود» ، ويعتقد ذلك ويصمم عليه، فإذا خُلِّص وعادَ كان كاذبًا.

[وقد أجاب مكي أيضًا بجوابين، أحدهما] قريبٌ مما تقدَّم، والثاني لغيره، فقال: «أي: لكاذبون في الدنيا في تكذيبهم الرسل وإنكارهم البعثَ للحال التي كانوا عليها وقد أجاز أبو عمرو وغيره وقوعَ التكذيب في الآخرة لأنهم ادَّعَوا أنهم لو رُدُّوا لم يكذِّبوا بآيات الله، فعلمَ اللَّهُ ما لا يكون لو كان كيف يكون، وأنهم لو رُدُّوا لم يؤمنوا ولكذَّبوا بآيات الله، فأكذبهم الله في دعواهم» .

وأمَّا نَصْبُهما فبإضمار «أَنْ» بعد الواو التي بمعنى مع، كقولك: «ليت لي مالًا وأنفقَ منه» فالفعل منصوب بإضمار «أن» و «أنْ» مصدرية ينسبك منها ومن الفعل بعدها مصدرٌ، والواوُ حرف عطف فيستدعى معطوفًا عليه، وليس قبلها في الآية إلا فعلٌ فكيف يُعْطَفُ اسمٌ على فعل؟ فلا جَرَمَ أنَّا نقدِّر مصدرًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت