ومن عقائد الدروز أن الحاكم يتشكل في كل عصر ودور بصور أناس من أجل مصلحة الناس ومراعاة لحالهم، وليس المشاهير في تلك العصور أناس غير الحاكم؛ بل هم الحاكم تصور بصور واتخذ له تلك الأسماء الإنسية ليتعرف خلقه إليه تفضلًا ورحمة منه على عباده (59) .
ولقد ذكر الدكتور محمد كامل حسين كثيرًا من أقوالهم في إثباتهم ألوهية الحاكم من كتبهم -مطبوعة ومخطوطة- رغم تحرزهم على إخفائها عن أعين الناس، ومن تلك النصوص:
1 -جاء في رسالة البلاغ والنهاية في التوحيد: (( ومولانا سبحانه معل علة العلل جل ذكره وعز اسمه ولا معبود سواه، ليس له شبه في الجسمانيين، ولا ضد في الجرمانيين، ولا كفء في الروحانيين، ولا نظير في النفسانيين، ولا مقام له في النورانيين ) ) (60) .
2 -وفي رسالة سبب الأسباب لحمزة الزوزني: (( فقولي: توكلت على مولانا جل ذكره أردت به لاهوت مولانا الذي لا يدرك بوهم ولا يدخل في الخواطر والفهم، ما من العالمين أحد إلا هو معهم وهم لا يبصرون، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهو جل ذكره أعظم من أن يوصف أو يدرك، ومن اتكل عليه فهو يكفيه جميع مهماته ) ) (61) .
ونصوص أخرى كثيرة كلها تدور حول وصف الحاكم بكل صفات الله تعالى لأنهم يعتبرونه (( رب العالمين ) )تصور في صورة الحاكم في دوره الجديد تأنيسًا لخلقه؛ حيث ظهر في الصورة البشرية ليجدد الناس العهد به ولولا ذلك لكان الناس يعبدون العدم كما يرى هؤلاء الكفرة.
وفي رسالة الغيبة: (( أظهر لنا ناسوت صورته تأنيسًا للصور فحار فيها الفكر حين فكر، وعجزت العقول عن إدراك أفعالها واعترفت بالعجز والتقصير في معلومها فبتقدير أحكامه منّ على خلقه بوجود صورته من جنس صورهم ) ) (62) .
ولا يقصر الدروز الألوهية على الحاكم فقط؛ بل أطلقوها على كثير من آبائه ومن كبار رؤسائهم على مقتضى اعتقادهم أن الله يظهر للناس بين فترة وأخرى في صور بشرية، ولا ضرورة لذكر أولئك الأشخاص الذين يعتبرونهم ظهورًا إلهيًا في أوقات وجودهم، وليس أمامنا تجاه هذه الآراء الإلحادية والتي تفتقر أيضًا إلى العقل إلا أن نقول: ? رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ? (63) .
2 -القول بالتناسخ:
يعتقد الدروز بالتناسخ أو التقمص كما يسمونه، ومعناه عندهم: انتقال النفس من جسم بشري إلى جسم بشري آخر. والجسم قميص للروح التي لا تموت أبدًا بل تتقمص أجسامًا أخرى في كل نقلة، فنفس الموحد تنتقل إلى موحد ونفس المشرك إلى مشرك، ومن هنا زعموا أن عدد سكان العالم غير قابل للزيادة ولا النقصان منذ بدء الخليقة، ويبقى على هذه الحال إلى الأبد فهم لا يزيدون ولا ينقصون وكل من مات انتقلت روحه إلى جسد جديد دائمًا (64) .
ومفهوم التناسخ عند الدروز يختلف عن مفهومه عند الآخرين من القائلين بالتناسخ كالنصيرية مثلًا.
فالدروز يقصرون التناسخ بين الأجسام البشرية فقط، بينما هو عند النصيرية لا ينحصر فقط بين البشر، بل وقد يكون أحيانًا بينهم وبين البهائم، حيث تنتقل الأرواح فتحل في أي جسم، جسم بهيمة أو غيرها.
والدروز يكرهون لفظ التناسخ ويستبدلونه بلفظ التقمص.
ويعود السبب في قصر الدروز التناسخ في الأجسام البشرية لما يأتي:
1 -قالوا: إن انتقال النفس إلى جسم حيوان غير بشري ظلم لها لعدم تعلق الثواب والعقاب على غير النفس العاقلة.
2 -أن وقوع العقاب على النفس لا يصح إلا بعد مرورها في أجسام بشرية على مدى دهر طويل، بحيث يمنحها الدهر الطويل فرصة الاكتساب والتطور والامتحان والتبدل، لكي تحاسب حسابًا عادلًا على مجموع ما اكتسبت.
وحقيقة العذاب عند الدروز معناه أن الإنسان يعذب بنقله من درجة عالية إلى درجة دونها، ثم يستمر في هذا الهبوط إلى أقل الدرجات ويعذب في كل دور بأنواع العذاب التي هي عذاب الضمير وعذاب الندم على ما فات، لأنها لم تنتفع من أدوارها الماضية.
ومن خرافاتهم أنهم يشبهون الروح بسائل يحتاج إلى إناء يضبطه، فإذا كسر فلابد من تلقي السائل في إناء غيره لئلا يضيع، وعلى هذا فإن روح أحدهم إذا فارقت الجسم انتقلت فورًا إلى جسم آخر تحفظ فيه. وفي نقلتها الجديدة ترجع على نفس المذهب الذي كانت عليه أيًا كان المذهب.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)