الحلال والحرام صار غامضا على الناس «إذ ظن الجهال أنّ الحلال مفقود، وأن السبيل دون الوصول إليه مسدود، وإنه لم يبق من الطيبات إلا الماء الفرات، والحشيش النابت في الموات، وما عاداه فقد أخبثته الأيدي العادية، وأفسدته المعاملات الفاسدة، وإذا تعذرت القناعة بالحشيش من النبات، لم يبق وجه سوى الاتساع في المحرمات، فرفضوا هذا القطب من الدين أصلا، ولم يدركوا بين الأموال فرقا وفضلا، وهيهات هيهات، فالحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات» [1] .
وهذا الذي يشكو منه الغزالي في واقع زمانه من اختلال الموازين في مسألة الحلال والحرام، وبعد الناس عن فهم مقتضى الشريعة، وعدم وضوح الرؤية في التمييز بين الخير والشر، هو نفسه ما تتميّز به الفلسفة الحديثة في بعض جوانبها حيث أنها جعلت من الإنسان حكما على الحلال والحرام وجعلت منه مشرّعا لقوانين الحياة دون ضابط من دين.
وأما في القرآن الكريم والشريعة الإسلامية فقد جاءت النصوص لتحدد الحلال والسبل المؤدية إليه، وتبيّن الحرام والطرق المفضية إليه، وجعلت حق التحليل والتحريم لله وحده، وجاءت هذه النصوص لتقرر بأن الحلال بيّن وأن الحرام بيّن، وذلك في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس» [2] .
ومعنى «بيّن» أي في عينهما ووصفهما بأدلتهما الظاهرة [3] «والأشياء ثلاثة أقسام: حلال بيّن واضح لا يخفى حلّه كالخبز والفواكه والزيت والعسل
(1) نفسه ص 11.
(2) متفق عليه من حديث النعمان بن بشير.
(3) ابن حجر العسقلاني (852هـ) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ط دار المعرفة:
بيروت ج 1ص 127.