ومن ذلك الحين نصب الشيطان نفسه طاغوتا في مواجهة الله، ليتخذه الإنسان معبودا ومتبوعا من دون الله، وهو يستخدم لذلك وسائله الكثيرة لإبعاد الإنسان عن العقيدة، وهو لا يملّ ولا يكلّ بل يبقى في صراع دائم حتى نهاية الإنسان، ولهذا حذّر القرآن الكريم في سور كثيرة منه، وجعله العدو الأول للإنسان قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطََانَ كََانَ لِلْإِنْسََانِ عَدُوًّا مُبِينًا} [الإسراء: 53] ، وقال أيضا: {يََا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلََا تَتَّبِعُوا خُطُوََاتِ الشَّيْطََانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة: 208] ، وقال أيضا: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يََا بَنِي آدَمَ أَنْ لََا تَعْبُدُوا الشَّيْطََانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يس: 60] ، وقال أيضا:
{يََا بَنِي آدَمَ لََا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطََانُ كَمََا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمََا لِبََاسَهُمََا لِيُرِيَهُمََا سَوْآتِهِمََا إِنَّهُ يَرََاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لََا تَرَوْنَهُمْ إِنََّا جَعَلْنَا الشَّيََاطِينَ أَوْلِيََاءَ لِلَّذِينَ لََا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 27] ، وقال أيضا: {الشَّيْطََانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشََاءِ وَاللََّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللََّهُ وََاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 268] .
فالشيطان اللعين هو الطاغوت الأول، والعدو الأكبر للإنسان، وهو وراء كل الطواغيت التي عرفها البشر من حيث وجودها وانتشارها، وقد اكتسب الشيطان صفة الطاغوت بعد ما جعل نفسه مقابلا لله تعالى في صفات العبادة والاتباع، وأصبح هدفه الأول هو إبعاد النّاس عن التوحيد، وهو في ذلك مثابر لا ييأس أبدا، ومن هذا المفهوم قال الرسول صلى الله عليه وسلّم: «إن الشيطان قد أيس أن يعبد في بلادكم هذه أبدا، ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم فسيرضى به» [1] .
وسيبقى الشيطان طاغوتا متخفيا وراء كل الطواغيت التي اتخذها البشر في مقابل الخالق عز وجلّ وقد شاءت حكمة الله أن يبنى الكون كله على التقابل بين الأشياء، فكل ما في الأرض من متناقضات ومتضادات حيّرت الفلاسفة
(1) ناصر الدين الألباني صحيح سنن الترمذي ج 2ص 230.