فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 238

وهذه دراسة من جملة هذه الدراسات القرآنية التي تبحث في بلاغة التعبير، وجمال التصوير، وبراعة النظم، وقد قصدت بها إلى البحث في أسلوب من الأساليب البلاغية التي يعتمد عليها القرآن الكريم في عرض

الحقائق، وبسط الأدلة، لمخاطبة النفوس البشرية على اختلاف مشاربها، وتنوّع طبائعها.

فكان الاختيار موجها إلى أسلوب «المقابلة» أو «التقابل» المعروف عند الدارسين القدماء والمحدثين بهذا المصطلح وبغيره من المصطلحات، لكنّي فضلت مصطلح «المقابلة» عن غيره من المصطلحات لدلالته التامّة على فكرة التضاد، ولكونه من المصطلحات القديمة المنسجمة مع المفاهيم النقدية الحديثة، وقد قصدت «بالمقابلة» طريقة التعبير التي تقوم على مبدأ إقامة تضاد بين الألفاظ والمعاني والأفكار والصور تحقيقا لغايات بلاغية، وقيم فكرية، وقد كانت الغاية من البحث في هذا الأسلوب القرآني عرض مفهومه القديم في قالب جديد، وإبراز خصائصه وأهدافه وقيمه وغاياته الفكرية والمعنوية.

وسبب اختياري لهذا الموضوع مبني على دافعين:

أولا: إن أسلوب «المقابلة» هو من الأساليب التي استوقفتني كثيرا خلال تعاملي مع القرآن الكريم قراءة وتدبرا، فأثناء إعدادي لرسالة الماجستير حول أساليب الإقناع في القرآن الكريم، لفت هذا الأسلوب انتباهي كثيرا لكونه من الأساليب البارزة في المنهج القرآني، التي لا يأتي الاعتماد عليها عرضا وعن قلّة أو ندرة بل إنه من الأساليب التي يجيء الاعتماد عليها عن قصد وفي مواضع كثيرة من القرآن، وقد بدا واضحا لي أن هذا الأسلوب القرآني البارز لا بدّ أن يدرس دراسة علمية تبيّن خصائصه وأهدافه.

ثانيا: إن الدافع الثاني يتعلق بالدراسات التي كتبت حول هذا الموضوع، فبعد البحث تراءى لي أنّ هذا الموضوع لم يدرس دراسة علمية متخصصة، وبخاصة في القرآن الكريم، وأغلب الدراسات التي لها علاقة بالموضوع تمسّ الموضوع مسّا ومن زوايا ضيّقة، ولا تعطيه حقّه من الدراسة والتحليل، فالدراسات القديمة تناولت «المقابلة» ضمن علم البديع، ونظرت إليها باعتبارها محسّنا بديعيا يساهم في تحسين المعنى وتنميقه فحسب، أما الدراسات الحديثة

ففيها إشارات لا بأس بها عن أهمية المقابلة وغاياتها وقيمها لكنّها تفتقد إلى النظرة المتكاملة التي تنظر إلى الموضوع من جوانبه كلّها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت