والموت، والصم والبكم والسمع، ليس ممّا إذا خلا الموصوف عنهما وصف بوصف ثالث بينهما كالحمرة بين السواد والبياض، فعلم أن الموصوف لا يخلو عن أحدهما، فإذا انتفى أحدهما تعيّن الآخر» [1] . والفلاسفة في حديثهم عن العدم والملكة وصفوا الله تعالى بالنقيص، وسلبوه من صفات الكمال فرد عليهم بقوله: «إن المتفلسفة اصطلحوا على تقسيم «المتقابلين بالنفي والإثبات» إلى النقيضين، وإلى ما يسمونه «العدم والملكة» ، فالعدم عندهم سلب الشيء عما من شأنه أن يكون متصفا به كالعمى والخرس، فإنه عدم البصر والكلام عمّا من شأنه أن يكون بصيرا متكلما، فأما الجماد فلا يسمّونه لا بهذا ولا بهذا.
وشبهتهم لبست على طائفة من أهل النظر، فظنّوا أنّه إذا لم يوصف بصفات الكمال من الحياة والعلم والسمع والبصر والكلام لم يلزم أن يتصف بصفات النقص لأنهما متقابلان تقابل «العدم» و «الملكة» لا تقابل النقيضين [2] .
وخلص ابن تيمية إلى القول بأن الطرق التي يسلكها الأئمة ومن اتبعهم من نظار السنّة في هذا الباب: أنّه لو لم يكن موصوفا بإحدى الصفتين المتقابلتين للزم اتصافه بالأخرى، فلو لم يوصف بالحياة لوصف بالموت، ولو لم يوصف بالقدرة لوصف بالعجز، ولو لم يوصف بالسمع والبصر والكلام لوصف بالصمم والخرس والبكم. وطرد ذلك أنّه لو لم يوصف بأنه مباين للعالم لكان داخلا فيه، فسلب إحدى الصفتين المتقابلتين عنه يستلزم ثبوت الأخرى، وتلك صفة نقص ينزّه عنها الكامل من المخلوقات، فتنزيه الخالق منها أولى [3] .
وانتهى إلى وصف الفلاسفة بأنهم مخالفون لصريح المعقول كما أنهم مخالفون لصحيح المنقول [4] .
(1) الفتاوى ج 3ص 88، 89.
(2) المصدر نفسه ج 12ص 356، 357.
(3) الفتاوى ج 3ص 88، 89.
(4) منهاج السنة النبوية تحقيق محمد رشاد سالم ط 2مكتبة ابن تيمية: القاهرة 1989 ج 1ص 364، 365.