فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 238

يظهر أن هذه الآية إنما جاءت للحض على طلب العلم والتّفقّه في دين الله، وأنّه لا يمكن أن يرحل المؤمنون كلّهم في ذلك، فتعرى بلادهم منهم، ويستولي عليها وعلى ذراريهم أعداؤهم، فهلّا رحل طائفة منهم للتفقه في الدين، ولإنذار قومهم» [1] .

وتفيد الآية أيضا قيمة دينية وهي «وجوب تعميم العلم والتفقه في الدين والاستعداد لتعليمه في مواطن الإقامة، وتفقيه النّاس فيه على الوجه الذي يصلح به حالهم، ويكونون به هداة لغيرهم، وإنّ المتخصصين لهذا التفقه بهذه النيّة لا يقلّون في الدرجة عند الله عن المجاهدين بالمال والنفس لإعلاء كلمة الله والدفاع عن الملة والأمة، بل هم أفضل منهم في غير الحال التي يكون فيها الدفاع فرضا عينيا» [2] .

ومما يستفاد من قيم فكرية في هذه الآية أن العلم مقصد من مقاصد الإسلام الكبيرة، وهو من أنواع الجهاد الهامة لتماسك الأمة ووحدتها الفكرية، «فإذا كان من مقاصد الإسلام بثّ علومه وآدابه بين الأمة، وتكوين جماعات قائمة بعلم الدين وتثقيف أذهان المسلمين كي تصلح سياسة الأمة على ما قصده الدين منها، من أجل ذلك عقب التحريض على الجهاد بما يبيّن أنه ليس من المصلحة تمخض المسلمين كلهم لأن يكونوا غزاة أو جندا، وأن ليس حظ القائم بواجب التعليم دون حظ الغازي في سبيل الله من حيث إنّ كليهما يقوم بعمل لتأييد الدين، فهذا يؤيده بتوسيع سلطانه وتكثير أتباعه، والآخر يؤيده بتثبيت ذلك السلطان وإعداده لأن يصدر عنه ما يضمن انتظام أمره وطول دوامه، فإن اتساع الفتوح وبسالة الأمة لا يكفيان لاستبقاء سلطانها إذا هي خلت من جماعة صالحة من العلماء والساسة وأولي الرأي المهتمين بتدبير ذلك السلطان» [3] .

(1) البحر المحيط ج 5ص 526.

(2) محمد رشيد رضا تفسير المنار ج 11ص 78.

(3) محمد الطاهر بن عاشور تفسير التحرير والتنوير ج 11ص 59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت