الذي يحتاجه المشركون لتصحيح عقائدهم، أما الجهل فمتمثل في قوله تعالى:
{ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لََا يَعْلَمُونَ} [التوبة: 6] ، وغاية هذه المقابلة إبراز مجموعة القيم الفكرية والدينية، والتي نذكر منها:
أولا: إنّ سبب الأمر بإجارة المستجير المشرك ليطلب علم الكتاب هو أنّه معدود في أهل الجهل، لأنّ المشركين عامة لم يكن لهم علم بالكتاب ولا بالإيمان، فكان منهم أن أعرضوا عن الدين بجهل وعصبية، وصدوا المؤمنين عن سبيل الله، وغرتهم قوتهم، «فإذا كان شعورهم بضعفهم لصدق وعد الله بنصر المؤمنين عليهم قد أعدّهم للعلم بما كانوا يجهلون، وطلبوا الأمان لأجل ذلك، أو لغرض آخر يترتب عليه إمكان تبليغهم الدعوة، وإسماعهم كلامه عز وجل وهو الحجة البالغة والشفاء لما في الصدور لمن سمعه باستقلال فكر» [1] .
ثانيا: يستفاد من هذه الآية قيمة فكرية هامة وهي أنّ «العلم» لا بدّ أن يقوم على النظر والاستدلال، وأنّ التقليد غير كاف في العلم، قال الفخر الرازي (606هـ) : «اعلم أنّ هذه الآية تدل على أنّ هذه الآية تدل على أنّ التقليد غير كاف في الدين، وأنّه لا بدّ من النظر والاستدلال، وذلك أنّه لو كان التقليد كافيا، لوجب أن لا يمهل هذا الكافر، بل يقال له: إمّا أن تؤمن، وإمّا أن نقتلك فلمّا لم يقل له ذلك، بل أمهلناه وأزلنا الخوف عنه، ووجب علينا أن نبلغه مأمنه، علمنا أنّ ذلك إنّما كان لأجل أن التقليد في الدين غير كاف، بل لا بدّ من الحجّة والدليل فأمهلناه وأخّرناه ليحصل له مهلة النظر والاستدلال، إذا ثبت هذا فنقول: ليس في الآية ما يدلّ على مقدار هذه المهلة كم يكون، ولعلّه لا يعرف مقداره إلّا بالعرف، فمتى ظهر على المشرك علامات كونه طالبا للحقّ، باحثا عن وجه الاستدلال، أمهل وترك، ومتى ظهر عليه كونه معرضا عن الحقّ دافعا للزمان، بالأكاذيب لم يلتفت إليه» [2] .
(1) محمد رشيد رضا تفسير المنار ج 10ص 180.
(2) تفسير الفخر الرازي ج 15ص 228.