فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 238

الكريم يفضّل طريقة عرض الأشياء في صورتها المتقابلة، وبيان أن ذلك من الوسائل التي تؤدي أغراضا بلاغية كثيرة، وقيما فكرية ومعنوية متعددة.

قال تعالى: {وَمََا كََانَ اللََّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدََاهُمْ حَتََّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مََا يَتَّقُونَ إِنَّ اللََّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (115) إِنَّ اللََّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمََا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللََّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلََا نَصِيرٍ} [التوبة: 116115] .

في هذه الآية الكريمة تقابل بين الهدى والضلال، وتقابل بين الحلال والحرام في صورة من صورهما، وهي مقابلة تتحدّد من خلالها القيمة الدينية التي يؤديها السياق القرآني، فالآية إذن تعقد تقابلا معنويا بين الحلال والحرام اللذين نسبهما الله لنفسه، وجعلهما من خصائصه وحقوقه، فمن المعاني التي تؤديها الآية أنّ الله تعالى لا يؤاخذ أقواما بالعقوبة بعد إذ دعاهم إلى الرشد حتى يبيّن ما يجب عليهم أن يتقوه، فأمّا بعد أن فعل ذلك، وأزاح العذر وأزال العلة فله أن يؤاخذهم بأشد أنواع المؤاخذة والعقوبة [1] .

فالله سبحانه ليس بظلّام للعبيد، وحاشاه أن يضلّ قوما دون أن يبيّن لهم الحلال والحرام، ويبيّن لهم الطرق المؤدية إلى كلّ منهما، و «ليس من شأنه وعادة جلاله أن يكتب الضلال لقوم بعد إذ هداهم بإرسال الرسل إليهم، وأرشدهم إلى الحق حتى يبيّن لهم الأشياء التي يريد منهم أن يتقوها، أي: يتجنبوها» [2] .

فالآية تفيد أن الله هو الذي يشرع الحلال والحرام، وهو يشرع من الأحكام ما تكمل به فطرة الناس، ويستقيم به رأيهم وفهمهم، فيبيّن لهم مهمات الدين بالنصّ القاطع حتى لا يضلّ فيه اجتهادهم بأهواء نفوسهم، ويترك لهم مجالا للاجتهاد فيما دون ذلك من مصالحهم [3] .

(1) الفخر الرازي تفسير الفخر الرازي ج 16ص 212.

(2) محمد الطاهر بن عاشور تفسير التحرير والتنوير ج 11ص 47.

(3) محمد رشيد رضا تفسير المنار ج 11ص 61.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت