وهذا خلق من أخلاق النبوة، فقد آثر الآخرة على الأولى، ولذلك كان يقنع بالقليل من الرزق، ويكتفي بالميسور من الطعام والمتاع، ولا يعتاد التنعم والرفاه، كما زهد في المناصب، وترفع عن التزلف لأصحاب الجاه والغنى والسلطان، بل كان عزيز النفس لا يطلب من أحد شيئًا ولو كانت به حاجة، كما كان يؤثر الابتعاد عن المناسبات الرسمية والأضواء، ويؤثر البساطة والعيش مع كتبه وطلابه ودروسه، ولا يتركها إلا مكرهًا، كما أنه تجنب الصحافة والإذاعة المسموعة والمرئية مع أنه دعي للظهور فيها، وذلك لما يرى فيها من التكلف والتصنع الذي يمجه بفطرته، ولما يوجد في كثير من وسائل الإعلام من تحريف وبتر للكلام وتشويه ومخالفة للأمانة في النقل.
4 -أمانته العلمية وإنصافه:
وهذه صفة عزيزة تقتضي من العالم الاعتراف بالخطأ والتراجع عنه، والتخلي عن الهوى والغرض، وهي أمور صعبة وشديدة على النفس، كما تقتضي منه إذا سئل عن مسألة لا يعرفها أن يعترف بعدم معرفته لها وكل ذلك من الأمور التى أمر بها الإسلام، ويكفى فيها قوله -تعالى-: (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك ان عه مسئولا) (الإسراء: 36) .
كان أستاذنا إذا سئل عن بعض المسائل -وخاصة تلك التي تتعلق بالفرائض والمواريث- لا يجيب، ويقول: لا أدري، وليس لي فيها دراسة، كما كان يطلب ممن يطلع على خطأ أو وهم في كتبه أن يبين له ذلك، ويدل عليه، وقد ذكر بعض هؤلاء في بعض كتبه، وشكرهم على صنيعهم، وأخذ برأيهم، وكان يعلن ترحيبه بذلك بشرط أن يكون المنتقد مخلصًا ويعرض ذلك بأدب الإسلام والحجة والبينة.