فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 80669 من 82138

أما جهاده في العلم فقد عُرف الشيخ منذ سبعين سنة طالبًا للعلم ناشرًا له في كل مكان في هذه البلاد حتى وصل إلى أطراف البلاد وقطع الفيافي والقفار والأماكن شديدة الوعورة في جنوب المملكة ليُعلّم الناس الخير، وكان في صيف كل عام عندما يسافر الناس هربًا من حرّ الرياض إلى الأماكن الباردة يذهب الشيخ إلى وسط تهامة وجنوبها في أماكن شديدة الحرارة شديدة الغبارة ليُبصِّر الناس والبسطاء بدينهم. وقد كان للشيخ في الرياض دروس أسبوعية طوال العام؛ حيث يلقي في الأسبوع الواحد (21) درسًا يشرح فيها أكثر من (35) كتابًا، والدرس الواحد يستغرق في بعض الأوقات من ساعتين إلى ثلاث ساعات، ويحرص في كل خميس على أن تكون له محاضرة في إحدى القرى أو المدن خارج الرياض، كما أنه لا يتأخر عن المشاركة في أية دورة علمية في أي مكان باذلًا علمه ووقته للناس، حتى فُرّغت دروسه وخرجت كتبًا ينتفع بها ملايين الناس خلافًا للمواد المسجلة في الأشرطة والإنترنت.

وقد برز الشيخ في عدة علوم من الشريعة، كما أنه يتمتع بحافظة عجيبة واستحضار قوي، وأذكر أنه أنشدنا في أحد دروسه أكثر من ثلاثين بيتًا في أحكام السواك، كما أنه يحفظ كثيرًا من مقامات الحريري، فضلًا عن المتون العلمية. ومما يدل على مكانته العلمية أن الشيخ ابن باز كان يستخلف الشيخ ابن جبرين على دروسه بالجامع الكبير في حال سفر الشيخ ابن باز بدلا منه.

أما تواضع الشيخ الجمّ فهذا ما لا يستطيع وصفه الكلام ولا تسطره الأقلام، لكن سأذكر لكم حاثتين حصلتا لي شخصيًا مع الشيخ: أذكر قبل حوالي خمسة عشر عامًا، وقد كنت في الثانوية، كتبت ورقة عن بدعة الاحتفال بالمولد النبوي مع ذكر الأدلة والرد على الشبهات، فأردت من الشيخ ابن جبرين أن يقرأها ويراجعها ويزكيها؛ فذهبت إلى مكتب الشيخ في الإفتاء وطلبت من السكرتير أن أدخل على الشيخ فرحّب بي وأدخلني على الشيخ دون أسئلة السكرتارية المحققة. دخلت على الشيخ في مكتبه فإذا بعدد من الناس يريدون سؤال الشيخ، كما أن بجواره ثلاثة أو أربعة أجهزة هاتف وموظفًا عمله الرد على الاتصالات، فإذا بي أسمع الموظف يقول للشيخ تفضل اتصال من جنوب إفريقيا، فيأخذ الشيخ السماعة ويجيب عن السؤال والموظف ممسك بسماعتي هاتف، وما إن ينتهي الشيخ حتى يعطيه السماعة الأخرى من مصر والثالثة من سكاكا ورابعة من الحفر، والهاتف لا تتوقف رناته، ثم يأخذ المستفتين ويجيبهم، فلما انتهوا وجاء دوري قدمت للشيخ الورقة التي تحتوي على كلام مكتوب بخط صغير، وطلبت من الشيخ قراءتها والتعليق عليها. توقعت أنه في أحسن الأحوال سيقول لي (راجعنا بكرة) ؛ لما رأيته من كثرة مشاغله، لكن الذي فاجأني أن الشيخ أخذ الورقة وجعل يقرؤها كلها، ثم فتح قلمه وكتب في آخرها مراجعته للورقة وإقرارها والحث على نشرها، وأمهرها بتوقيعه وختمه وسلّمني الورقة بكل تواضع، ولم يقل هذا شاب صغير في الثانوي أو إن هذه المواضيع تحتاج إلى مراجعات ولجان تستغرق سنوات ولم تنته، وبحمد الله تمت طباعة تلك الورقة في مطوية، وتم توزيعها على الآلاف في العالم الإسلامي؛ لتكون في ميزان حسنات الشيخ طيلة تلك السنوات وبعد موته، مع أن العملية لم تستغرق من الشيخ سوى خمس دقائق، وهكذا العظماء ينجزون أمورًا عظيمة في أقصر الأوقات ودون ضجيج.

أما الحادثة الثانية: فقد ذهبت للشيخ لأدعوه لتشريف حفل تحفيظ القرآن لأحد أكبر الجوامع بالرياض، ومشيت معه وهو خارج من بيته لصلاة المغرب، فذكرت له الأمر وأن إمام المسجد وهو شيخ معروف يريد موعدا مناسبا ليقابله ليدعوه للحفل، فأخرج الشيخ من جيبه مفكرة البيان الجيبية، وقال لي: متى الموعد؟ فذكرت له اليوم، فأخرج قلمه وسجل الموعد. قلت له إمام المسجد يريد أن يزورك ليدعوك. فقال الشيخ: لا، يكفي، خلاص، سجلت الموعد. وهكذا بكل بساطة .. مع أن الشيخ أكثر العلماء والدعاة دروسًا ومحاضرات وارتباطات، ومع ذلك لم يجعل له منسقًا ليرد على الاتصالات أو مدير مكتب يعبس في أوجه الناس ويشترط على الناس اشتراطات لكي يقابلوا شيخه أو يجعل بينه وبين الناس آلاف الحواجز .. فليت الدعاة وطلبة العلم يأخذون من الشيخ هذا الخلق العظيم ويتأسون به في حرصه على نفع الناس في دينهم ودنياهم وفي بذل الشفاعات الكثيرة عسى أن يكون أحب الناس إلى الله (أحب الناس إلى الله أنفعهم) .

الله اغفر للشيخ عبدالله بن جبرين وارفع درجته في عليين واجعله من الصديقين وفي جوار النبيين، وارفعه درجات في الجنة بكل حرف علمه وكل نصيحة بذلها وكل دعوة أيدها، واخلف على الأمة خيرًا.

ـ [محمد زياد التكلة] ــــــــ [30 - 07 - 09, 05:11 ص] ـ

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت