فحواه: خروج عائشة وطلحة والزبير من المدينة لحربه (55) . وغلامٌ آخر من جهينة ـ لم يذكر الطبريُّ اسمه ـ كان يحارب في صفوف أصحاب الجمل (56) ، ثم عَنَّ له أن يسأل محمد بن طلحة -ـ وكان رجلًا عابدًا كما يقول الطبريُّ - عن دم عثمان فيكن هو؟! فلما أجابه محمد بأنه شركة بين عائشة وطلحة وعليٍّ قال: (ألا أُراني على ضلال) ثم لحق بِعَلِيٍّ وهو ينشد شعرًا رقيقًا يُبَرِّرُه فيه من دم عثمان رضي اللّه عنه، ويُنْحي باللائمة على الآخرين (57) .
أما جُهَيْنَة باعتبارها جماعة ذات خطر ـ فما أعلم لها خبرًا في العراق قبل انتقالها مع سعد بن أبي وقاص إلى الكوفة سنة سبع عشرة من الهجرة؛ كما سبقت الإشارة إليه؛ يأتي الحديث الآن عن ديارها في شكل جماعات في كلٍّ من الكوفة والبصرة؛ وعن ذلك يذكر السمعانيُّ عند حديثه وتعليقه على كلمة الْجُهَنيِّ ما نصه: (هذه النسبة إلى جُهَيْنَة، وهي قبيلة من قضاعة ... نزلت الكوفة، وبها محلة نُسِبَت إليهم، وبعضهم نزل البصرة) (58) .كذلك يذكر الْهَمَدانيُّ من ديار جهينة في الموصل: (مرج جُهَيْنَة) (59) . ويشير ياقوت إلى قرية كبيرة في نواحي الموصل أُطلق عليها اسم جُهَيْنَة فيقول: (جهينة بلفظ التصغير، وهو عَلَم مرتجل في اسم أبي قبيلة من قضاعة، وسُمِّيَ به قرية كبيرة من نواحي الموصل على دجلة، وهي أول منزل لمن يُريد بغداد، وعندها مرج يُقال له: مرج جُهَينة له ذكر. يُنسب إلى القرية أبو عبد اللّه الحسين بن نصر ... المتوفى بالموصل سنة 552هـ(60) .
على أن مركز ثقل جهينة في العراق ـ فيما يظهر ـ كان بالكوفة، يُدَلُّ على ذلك بالكثرة النسبية لارتباط اسم جُهَيْنَة بهذه المدينة، وبوجودها عنصرًا رئيسًا في شرطة الأمويين بالكوفة إبَّان ثورة زيد بن عليٍّ على ما يأتي؛ ولعلَّ جهينة في الكوفة يَنْهض برهانًا عليها وجود مسجد لها؛ أصبح مَعْلمًا من معالم هذه المدينة؛ فها هو المختار بن أبي عُبَيْدٍ يمرُّ به عند استعداده للخروج على سلطان ابن الزُّبير، وها هو مصعب بن الزبير ـ عند خروجه من البصرة متوجهًا إلى الكوفة لملاقاة المختار الذي طرد عامله عليها ـ يأمر أصحابه بالاقتراب من قصر الكوفة، ثم يُوْعِزُ إلى قائده عَبَّاد بن الحصين الحَبَطِيِّ بالنزول عند مسجد جُهينة؛ ليساعد ذلك أصحابه في السيطرة على أتباع المختار المشرفين عليهم من القصر المحصورين فيه (61) .
ويُخَيَّلُ للمتأمل في تاريخ جُهينة أنها تتخذ في تصرفاتها السياسية منهاجًا يقوم على مُمَالأَةِ السلطان القائم في البلاد إن كان السلطان للأَمويين؛ وتعضيد الثائرين على السلطان إن كان الأمر غير ذلك؛ وإلا فكيف نفسر وقوفها ـ عند نشوب ثورة زيد بن عليٍّ ضدَّ الأَمَوِيِّين ـ مع الخليفة هشام بن عبد الملك ضِدَّ زيد هذا؟ وذلك عند قدُومه إلى الكوفة بين سنتي 121، 122هـ على خلافٍ في ذلك؛ فقد أمر الحكمُ بنُ الصلت أميرُ الكوفة من قِبَل الأمويين صاحبَ شرطته عَمْرَو بْنَ عَبْد الرحمن بالتأهب للتصدِّي لثورة الشيعة بقيادة زيد بن عليٍّ، فتهيأ صاحب شرطة الأمويين للأمر؛ ووقف في خيله من جُهَيْنَة لصدِّ الثائرين (62) . وهكذا وقفت جهينة تُمَالِئُ السلطانَ القائمَ لأنه سلطان الأمويين.
أما في الحجاز - فيما بعدُ - فقد اتخذتْ جهينة موقفًا مغايرًا لما كانت عليه في العراق؛ وذلك بانتصارها للعلويين على العباسيين كما رأينا (63) . وقد يكون هذا التباين في المواقف باعثًا على التساؤل عن تفسيره وتعليله؛ وفي محاولة ذلك ينبغي أن نفترض أنَّ الموقف الأخير لجهينة في الحجاز إنبنى على كراهية للعباسيين الذين انتزعوا الحكم من الأمويين؛ وابتلوهم بألوان من التنكيل؛ وأصنافٍ من العذاب؛ كما فعلوا الشيء نفسه مع أبناء عمومتهم العلويين.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)