عليهما بالحكام وصوروهما لهم، بأنّهما يُبدلان دينَ الله ويغيرانِ عقائد الناس، واستغلوا سذاجة بعض الشعب، ونقمة المحافظ على والدي آنذاك، ولكنّ الله ردَّ عنهما كيدهم، ومدّ في الدعوة إلى الله مدًا غاظهم وقهرهم، وأخذ الحقُّ طريقه إلى نفوس الشعب، غير عابئ بضجيجهم المصطنع، وكشَفَ حقيقة جهلهم للناس، وبَوَأَهم مقاعد المنافقين والمخادعين والمفترين، والحمد لله رب العالمين.
كيف بدأت معرفته بالشيخ ناصر الدين الألباني؟
كان والدي - رحمه الله - يتردد على دمشق في بداية الستينات بحكم مرض ولده محمد فاتح"رحمه الله"حيث كان يُعالج في مُستشفى المواساة فإذا صادف وجوده يوم جمعة، كان يُصلي في مسجد الجامعة، ولم يكنْ يومها للمسجد خطيبٌ معين، فكان يَرقى المنبر آنذاك مَنْ يُكلف من الأساتذة والعلماء الحاضرين كالأستاذ عصام العطار والأستاذ مصطفى السباعي وغيرهما. . . .
وفي مرةٍ جلس والدي ينتظر الخُطبة فإذا برجل هو الشيخ سعيد الطنطاوي يربتُ على كتفه برفق ويشير إلى المنبر قائلًا له: المنبر ينتظرك .... ، فقال له: لقد جئت مستمعًا لا خطيبًا وإنّي لمشغول الذهن، مبلبلُ الفكر، بسبب مرض ولدي. . . ثم إني لست خطيبًا لمثل هذا الميدان، لمسجد الجامعة الذي يضم طلبة العلم والأساتذة والعلماء والمشايخ، فأنا أخطب في بلدةٍ صغيرةٍ تُسمى ادلب، بين ناسٍ بسطاء. . . . فكرر الشيخ عبارته للمرة الثانية"المنبر ينتظرك"، فكان لا بُدَّ من الامتثال لإلحاحه، فصعدَ المنبر.
وكانت الفترة ما بين الأذان الأول والثاني، فترة اختيارٍ لموضوع الخطبة التي سيلقيها وقد اختار موضوعها، فكانت تحت عنوان:
"الإسلام منتصر بعوامل ثلاثة عامل من نفسه، وعامل من معتنقيه، وعامل من أعدائه ومناوئيه".
واستمرت الخُطبة ما يزيد عن ساعة، كان وقعها في نفوس الحاضرين طيبًا، حتى أن الطلبة الذين هم من إدلب، ممن كان حاضرًا راح يعتزّ على من رآه متأثرًا بخطاب الشيخ من الحضور بأنّ هذا شيخنا في إدلب …
ولقد كان من بين الحاضرين للخطبة فضيلة الشيخ العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، فما كان منه إلا أن سأل عن الخطيب، وبعث إليه يريد التعرّف به وهو ينتظره في صحن المسجد.
ولكنَّ لفيف الناس حول والدي بعد نزوله من المنبر، للسلام عليه وطرح الأسئلة، أخّره قليلًا عن تلبية طلب الألباني الذي كان على - ما قال بعد ذلك - أنه في عجلة من أمره وقد اضطر للخروج، ولكنه وعد بأن يزوره في إدلب في بداية الشهر القمري التالي وقد بَرَّ بموْعده فعلًا، وجرى بينهما حوارٌ هادئ استمر مجلسًا طويلًا، لم ينته لدى زيارته الأولى، فكان أن عاود زيارته ثانية في بداية الشهر القمري الذي تلاه، ليعود الحوار حول بعض المسائل، فكان حوارًا فيه الخير، التقى فيه الوالد فكريًا مع الشيخ وتوجّه الوالد إلى المنهج العلميّ الذي كان هو فكره من قبل، ولكن عائق المذهبية الضيّقة، والخوف من الخروج على العلماء، كانا العامل الأساسي في ما كان عليه من تقوقع.
ويجدر بي أن أقول من خلال حكاية الطريقة التي تمّت بها هذه المعرفة، أنّ الشيخ ناصر يُؤكد بفعله هذا ودأبه على لقاء الدعاة، ليدلّهم على طريق الدعوة الصحيحة، حرصه على دين الله والدعوة إليه، إضافة إلى أنه أثبت أنه مرهف الحسّ قوي الفراسة، فيمن يُمْكنُ لهم أن يتقبلوا هذه الدعوة الصادقة. . .
كما أحبّ أن أقول إنَّ قبول والدي، لِما تفضَّل به الألباني من فكرٍ في الدعوة والتقاءه معه فكريًا من أول مجلس، لهو دلالة وبرهان لصِفةٍ لصيقةٍ به، ألا وهي سرعته في العودة إلى الحقّ، وعدم تحرّجه من الاعتراف به، سواء جاء من عالمٍ كالألباني، أو من أيّ إنسان آخر، حتى ولو كان عاميًا، فالحق أحقُّ أن يُتَّبع.
وعلى ماأذكر فإنَّ أول موضوع بُحث بينه وبين الشيخ الألباني هو أنه لاقضاء للصلاة المفوَّتة عمدًا.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)