من ذلك العلامة النقاب أنه لم يدر أن رزق الله كان سابقًا في خدمة الخواجة يوسف الحجار فلم يلبث عنده غير طويل حتى كشف له عما هو منطو عليه من فساد الجبلة ورداءة الأخلاق. فطرده الخواجة يوسف من عنده. فما كان من رزق الله إلا أن اتخذ صورته مطبوعة على الحجر، وكتب تحتها قصيدة طويلة هجاه فيها أبلغ الهجو وجعل يرسل منها نسخًا إلى جميع الأقطار بل وضع منها أيضًا نسخًا في طرق الآستانة. فشكاه الخواجة يوسف إلى الضبطية فقبضوا عليه وهموا بحسبه لولا أن توسط في خلاصه المرحوم الحاج بكر القباقيبي وذلك لكرم نفسه وعظم مروءته فإن رزق الله كان في خدمته أولًا قبل أن دخل في خدمة الخواجة يوسف وأساء إليه فخرج من عنده مذؤومًا مدحورًا. فهذه مرة أخرى أنفق فيها رزق الله مال المحسن إليه في هجوه وسبه. ثم العجب خامسًا من ذلك العلامة أنه خفي عليه أمر رزق الله حين سافر إلى الديار الشامية بصحبة سعادتلو فرانقوا أفندي عند حادثة الشام المشهورة. وذلك أن حضرة ذي الأبهة و الدولة فؤاد باشا لما كان مهتمًا بإصلاح ذات البين عقب تلك الحادثة أمر رزق الله بأن يتوجه إلى دمشق لشراء مقدار من الخشب مما لزم لتجديد بناء البيوت التي أحرقت. فلما وصل إلى دمشق وشعر بأن للسيد الجليل الشيخ عبيد الله أفندي الحلبي بساتين ناضرة وكان قد وسوس إليها الخناس أيضًا أن الشيخ المشار إليه ملوم ببعض اللوم بسبب تلك الحادثة أخذ في قطع أشجار بساتينه أصلًا وفرعًا حتى غادرها قاعًا صفصفًا. ويومئذ عمل على أذى عزتلو خليل أيوب أفندي فوشى به وتجنى عليه ويومئذ دخل الجامع الأموي واختلس منه كتبًا وما كفاه هذا حتى جعل يتبجح بما اختلسه بعد رجوعه إلى الآستانة. وتبجح أيضًا بأنه سرق كتبًا قديمة من أديار الرهبان في الجبل فأسالوه يا قيمي الجامع ويا أيها الرهبان عن هذه الكتب. فإن أقر بسرقتها فأنتم أدرى بجزائه وإلا فلعنة الله على الكاذبين. وفي الحقيقة فإن وجود رزق الله في الديار الشامية بعد تلك الحادثة كان حادثة أخرى فإنه لم تعن له فرصة للأذى و الفتنة و التحريش والإغراء إلا وانتهزها وأخص ذلك وشايته بحضرة بطرك الموارنة وحضرة المطران طوبيا مطران بيروت المحترمين. وقضية قطع أشجار البساتين سمعناها من حضرة النبيه الفاضل الشيخ محمد أفندي أخي الشيخ عبد الله أفندي ولا مراء في قوله ثم العجب سادسًا من ذلك العلامة أنه خفي عليه شناعة رزق الله وترهاته وتزويره وبهتانه حين كان يكتب مرآة الأحوال فإنه اتخذ هذه الصحيفة للطعن في أعراض الكرماء الأفاضل من رجال الدولة العلية حتى هجا الشيخ الجابي من مشاهير فضلا ء الشام. وأخبرني غير واحد أن النسخ التي كان يوزعها من مرآة الأحوال في الأستانة كانت بغير عبارة النسخ التي كان يرسلها إلى الخارج. فلما صار معلومًا لدى حضرة دولتلو سامي باشا وكان وقتئذ ناظرًا على المعارف العمومية أن تلك الصحيفة صارت وسيلة للفساد والمعرة أمر بإبطالها مع أن المشار إليه لم يسيء إلى أحد في عمره قط، وأحب شيء إليه إسداء الخير والإحسان لجميع الناس. وما كفى رزق الله ما افتراه على الكرماء الفضلاء حتى افتخر بأنهم يخشون شرة لسانه وبذاءته فيرشونه حتى يسكت عنهم. فأشهد أن هذه الأخلاق لا تكاد توجد في أحد من بني آدم، بل إبليس نفسه لا يستطيع أن يتلبس بها كلها في صورة واحدة. ولقد سمعنا عن كثير من السراق واللصوص والهجائين والسبابين والمفسدين والمرتشين والناقضين لعهودهم والحانثين في إيمانهم والعاملين على أذى الناس وقطع أرزاقهم ولكن ما سمعنا عن أحد منهم أنه يفتخر بقبائحه ورذائله كما يفتخر رزق الله حسون بسيئاته. فيا له من سفيه قد أعيى الأطباء علاته وأعجز الشيطان محاكاته. [الجوائب، العدد 338] .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)