وأما زعمهُ أن لهُ هو تمويه لا يصدقهُ إلا المغفلون لأنهُ ما من أحد ينتصر للباطل إلا القوم المبطلون. اللهم إلا أن يكون قد أراد من رأينا ما قد رأينا منهم من الانتصار لهُ وفي هذا القدر كفاية لذوي الألباب.
ثم بعد أن حررنا ما تقدم وقدمناهُ للمطبعة لكي يدرج في جرائدنا فتأخر لضيق المقام إذا بالعدد 566 من الجوائب قد ورد على أجنحة البخار حاملًا السهام الأولى من سهام التغليط التي صوبها صاحب الجوائب على قطر المحيط. ولدى الوقوف على ما قالهُ هذا العلامة وجدنا أنهُ قد أخطأ العرض فخاب أملنا من الحصول على كبير فائدة منهُ في هذا الباب. ورأينا أنهُ قد تصدى لأمر ليس هو كفؤًا لهُ وفتح لنا سبيلًا لأن نردَّ عليهِ وذلك رغمًا عنا ونخطئهُ في نفس تخطئته لتأليفنا المذكور. فإنهُ بعد أن وضع قاعدة للناقلين، طالما خالفها هو نفسهُ وكثيرون من مشاهير اللغويين، تمهيدًا لما كان مزمعًا أن يرشق كتابنا به. قال إنهُ لم يرَ جمعًا للأبّ في الصحاح ولا في الكليات ولا في المصباح ولا في القاموس ولا في حاشيته ولا في شرحهِ تاج العروس الذي جمع فأوعى. فإن كان لهُ جمع فقياسهُ على أبوب كحب وحبوب، أه. أما قولهُ إنهُ لم يجدلهُ جمعًا في الكتب المذكورة التي هي أشهر كتب اللغة في العربية وأطولها حال كونهِ قد وجد ذلك في قطر المحيط فهو شهادة منهُ (إن كانت شهادتهُ لهُ أو عليه بعد ظهور ما ظهر من عدوانهِ وسقطاتهِ مما يعتدُّ به) عن غير ذلك قصد لفضل مختصرنا المذكور فهي منهُ رمية من غير رام. وأما قوله (فإن كان لهُ جمع فقياسهُ على أبوب ) ) فيستفاد منهُ أولًا أنهُ لا جمع عندهُ للكلمة المذكورة، وذلك خطأٌ أوضح من أن يبين، قد ساقهُ إليهِ جهلهُ لقواعد اللغة أو غشاء الادعاءِ وحدة الغرض. ثانيًا إن قياس جمع فَعْل عندهُ إنما هو فُعُول لا غير، وهذا خطأ أقبح من ذاك لا يرتكبهُ أطفال المدارس، فإن فَعْلًا الصحيح (( العين ) )يُجمع قياسًا على أَفْعُل أيضًا نحو فَلْس وأفْلُس وظبي واظب، وقد أتى عليهِ أيضًا كفّ وأكُفّ وضبّ وأضُبّ وغيرهما من المضاعف (نرجو أن محرر الجوائب لا يؤاخذنا على جسارتنا هذه ومناقضتنا لهُ حال كونهِ يدعي أنهُ إمام اللغة وإنهُ إذا قال فما السامعين إلا الرضوخ، وأن لهُ حقًا أن يخطئ الجميع ولا حقَّ لغيرهِ أن يدافع عن نفسهِ ولا عن غيرهِ من أصحاب الفضل أو يجيب بكلمة، وأنهُ إذا انتهك حرمة الأدب لا حق لأحدٍ أن يزجرهُ أو يردعهُ عن غيهِ. فما لنا ولهذا البحث فلنرجع إلى ما كنا في صدده) .
هذا ولو سألنا صبيان المدارس الذين لم يطالعوا إلا مفتاح المصباح في الصرف و النحو للمبتدئين عن جمع هذه الكلمة لأجابوا على الفور ومن دون تردد أن جمعها (( أَؤُبُ ) )وأن ابن عقيل في شرح ألفية ابن مالك في باب الإبدال من كتاب التصريف (ولولا اختلاف النسخ المطبوعة لعينا الوجه و السطر لنوفر على صاحبنا الذي كأنهُ لم يطالع هذا الكتاب ولا غيرهُ من كتب الصرف و النحو كلفة التفتيش) قد نصَّ على جمع هذه الكلمة حيث قال: فالأول نحو (( أوب ) )جمع أبّ وهو المرعي أصلهُ أَأْبُب لأنهُ أفعُل فنقلت حركة عينهِ إلى فائهِ ثم أُدغم فصار أَوبّ، أه. وكفى بمحرر الجوائب خجلًا أمام أطفال المدارس لدى مقابلة تخطئتهِ لقطر المحيط على الكتب الابتدائية التي يطالعونها. ومن الغريب أن محرر الجوائب مع طول ادعائهِ وعرضهِ قد أشكلت عليهِ هذه المسألة البسيطة، فلله درهُ ما أطول باعهُ. وكنا نود أن نعتذر عنهُ بكونهِ ناهز السبعين ولكن نخشى من أن تكذبنا شواهد أحوالهِ التي تدل على أن أعمالهُ وأقوالهُ هي أعمال من كان في عنفوان صبائهِ. ولكن أحسن عذر نقدمهُ عنهُ هو أنهُ ربما لم يدخل مدرسة ولا قرأَ العربية على أستاذ فصحَّ فيهِ المثل السائر الجاري على ألسنة العامة: كل صنعة بلا أستاذ يدركها الفساد. ولنا أن نسألهُ هنا سؤالًا ربما يصعب عليه جوابهُ. أما كان أولى بك أن تسالم العلماءَ والأدباءِ وتقف في حدود الأدب والإنصاف فتوفر اسمك وشهرتك التي اكتسبتها وتبقى مستورًا بين قومك وأبناءِ وذلك الأصليين و الحاليين؟ على أنني أظن أن لسان حالهِ يجاوبَ عنهُ على الفور طبيعة في البدن لا يغيرها إلا الكفن، وأن الشاب إذا شاخ لا يحيد عن طريقه. نفعنا الله بمثاله عبرة. وأما
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)