ما أحلى ترديد ما قاله لامرتين حين قرأ (( الشاتيمان ) )لفكتور هيجو، ثلاثة آلاف بيت كل سب، هذا كثير. ونحن نقول: إن حملة الفارياق على أخصامه عنيفة جدًا، ولكن الرجل خُلق هجاء، و الهجاء يدل كثيرًا على الشاعر وهذا ما حملنا على خص هجاء أحمد بهذه الكلمة. الرجل سباب شتام حين يهجو، قلما يهزأ ويتهكم، يهاجم الخصم فيكسره شر كسرة. لا حيلة ولا هوادة في الأمر. الحرب الكلامية عنده تطول، دائمًا المعركة فاصلة. وما تخيلناه من تقلب طباعه يدلنا عليه تبادل الهجاء بينه وبين أديب إسحق، الكاتب الذي نوه به أحمد. ثم قال يهجوه:
لو أن آدم عالم في أنه ستكون من أبنائه فيما غب
لأباح حوا بالطلاق ثلاثة وأبى لأجلك أن يكون أبا البشر
فأجاب أديب:
عجبًا هجوت وكنت قبلا مادحي لا بدع قبلي قد خدعت محمدا
ومكرت في عيسى وخنت أباك في لقب أخذت ولم يكن لك أحمدا
وظهرت في ذلك الزمان جريدة برجيس باريس فناوأته وتحدته فاسمع كيف يهجو صاحبها:
إذا البرجيس فاه سددت أنفي فإن بنتنه تعجيل حتفي
فما لعلاج ذاك الفتح منه سوى سد، وبعض القول يكفي
صنان تشمئز النفس منه ويمنى كل ذي أنف برعف
وقال يهجو زميله المعلم بطرس البستاني، المشهور بفضله وعلمه:
كابدت من زمني كوارث جمة وأمرها في مرها ثنتان
لغة (الجنان) إذا هذت في مدح قا رئ لغوها و (سياحة البستاني)
وانتقد الفارياق اليازجي الأب فقام ابنه إبراهيم يدافع عن والده فهجاه أحمد بقوله:
عجبًا لمجترئ عليّ وما له عند البراز سوى عتاد هرائه
فكأنه الظربان معتمدًا على دفع الملم به بريح فسائه
لا ريب أنك لاحظت مثلي أن هجاء الفارياق يخلو من الحشو الذي يكثر في شعره، وهذا يجعلني أرى أن ظني في محله، فالرجل كان قليل التنقيح. أما الشيخ إبراهيم فاعتزل هذه الحرب معتذرًا اعتذارًا نبيلًا فقال:
ليس الواقعة من شأني، فإن عرضت أعرضت عنها بوجه بالحياء ندي
إني أضن بعرضي أن يلم به غيري، فهل أتولى خرقه بيدي
لسنا ننكر علم الشيخ إبراهيم وأدبه، ولكننا نرى الأستاذ بطرس البستاني قد اشتط في كتابه النفيس (( أدباء العرب ) )إذ شبه مناظرة الشدياق و اليازجي إبراهيم بمناظرة الخوارزمي و الهمذاني، فقد كان الشيخ إبراهيم يومئذ رخصًا و الشدياق قارحًا. وإننا نحمد الله على نقد الشدياق الذي خلق لنا عالمًا لغويًا نفتخر بتدقيقه كالشيخ إبراهيم وإنما الظروف و الأحوال تخلق الرجال.
إلى القارئ:
لا تظنن بعد الذي قرأته أنك قرأت أحمد فارس أو عرفته، لا والله، فأحمد فارس لا يدرك جله ما لم يقرأ كله عشر مرات، فهو جديد نفيس، ولذلك هو غريب عنا.
حينما تقع في أرض الشدياق تجد الجديد طمعًا ولونًا، فهو الأديب العديد النواحي كأدباء العالم، بل يمتاز من أكثرهم بأسلوبه الذي يغريك فتقرأ غصبًا عنك، إنه لا يمل حتى في (جمله السياسية) وأخباره المحلية، يقدمها لك في أجمل صحن مبهرة مفلفلة. وقد عرف الأستاذ حاله فوصفها لنا بقوله:
ما راج من قولي فخذه، وما تجد من زائف فاتركه لي ملفوفًا
لا بدّ أن تجد الصيارف مرة بين الدراهم درهمًا مزيوفًا
إن المصنف لا يكون مصنفًا إلا إذا جعل الكلام صنوفًا
فما أكثر صنوف الشيخ، الشخصية كلها متجسدة فيها، ولذلك نحني الرأس إجلالًا أمام هذا العبقري قائلين: الله أكبر يا أحمد!
مارون عبود
ـ [أبو الطيب أحمد بن طراد] ــــــــ [26 - 06 - 10, 07:15 ص] ـ
إعدداد ودراسة: الياس جرجوس
للأستاذ مارون بك عبود (بيروت) الكتاب ج2 (1946) ،ص587 - 606
هو أحد أقطاب الأدب العربي العظام، نشأ في لبنان وشب في مصر و مالطة، واكتهل في باريس ولندن وتونس، وشيخ في القسطنطينية. فمات ابن ثلاث وثمانين. ما أحوجته الثمانون إلى ترجمان، ولم تأخذ من ذلك الرأس شيئًا فبقي غضًا ونفسه خضراء، كما شهد في بذلك جرجي زيدان:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)