و أن الدولة الإسلامية كان فيها يمين يدعم النظام، و يسار يدافع عن الطبقة"البروليتارية"و غير ذلك من الإسقاطات التي استعملت عند تناولهم التاريخ الإسلامي.
و هناك مسألة مهمة في منهج تعاملهم مع التاريخ الإسلامي ألا و هي:
تركيزهم على التاريخ السياسي من حياة المسلمين، و بذلك سلطوا الأضواء على الأنظمة الحاكمة، و أهملوا باقي الجوانب: الإقتصادية، الإجتماعية، الحضارية، الثقافية و الفكرية يقول د. محمد قطب:"هناك عيب رئيسي في تلك المناهج بصفة عامة، هو التركيز على التاريخ السياسي للمسلمين على حساب بقية مجالات الحياة الإسلامية ( ... ) فبصرف النظر عن المبالغات التي أنشأت من الخلافات المذهبية، و تلوينها لوقائع التاريخ، ككتابة الشيعة عن أهل السنة مثلا ... فمما لا شك فيه أنه قد وقعت انحرافات كثيرة في المجال السياسي عن الخط الإسلامي الأصيل، و أن هذه الإنحرافات قد وقعت في وقت مبكر من تاريخ الإسلام لم يكن ينبغي أن تقع فيه."
و لكن على الرغم من أن هذه الإنحرافات حقيقة واقعة - مع إسقاط المبالغات المتعمدة - في الإقتصار عليها في عرض التاريخ يعطي صورة غير حقيقية لذلك التاريخ ... صورة مشوهة ممسوخة! ( ... ) فمن الناحية العلمية يصبح هذا التاريخ مزورا و لو صحت كل كلمة كتبت فيه، لأنه يعطي الأمة حجما أصغر من حجمها الحقيقي، و يضع قزما ضئيلا في مكان العملاق.
أما من ناحية التأثير في النفوس فشتان بين أن ترى كائنا حيا متماسكا يتحرك حركة الأحياء الأقوياء، و إن كان يتعثر في حركته أحيانا، و يقع أحيانا و يدمي جسده من"أثر الوقوع"أحيانا، و لكنه يعود فيقوم و يتحرك، و بين أن ترى مسخا كسيحا يختلج في حركته، و كلما مشى خطوات انتكس ووقع، الأول تتفاعل معه، و تحب حركته، و تقدر له لحظات ضعفه، و لو أنبته عليها و زجرته، و الثاني تعافه نفسك و تنفر منه! و التأثير الثاني هو المقصود" [3] ( http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn3) "
أما لو أنهم درسوا التاريخ الإسلامي بما فيه الجوانب الحضارية و الإجتماعية و الفكرية فسيجدونه كله إنجازات عظام، فهذا يحيى بن سعيد يقول:"بعثني عمر ابن عبد العزيز على صدقات إفريقية فاقتضيتها و طلبت فقراء نعطيعها لهم فلم نجد بها فقيرا، و لم نجد من يأخذها مني، قد أغنى عمر ابن عبد العزيز الناس، فاشتريت بها رقابا فاعتنقتهم و ولاؤهم للمسلمين" [4] ( http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn4)
بل كان المسلمون في تلك العصور يصدرون الفكر و الثقافة. يقول أحد المسيحيين بالأندلس في ذلك العصر"إن إخواني المسيحيين يعجبون بشعر العرب و أقاصيصهم و يدرسون التصانيف التي كتبها الفلاسفة و الفقهاء المسلمون ( ... ) إن الجيل الناشئ من المسيحيين الأذكياء لا يحسنون أدبا أو لغة غير الأدب و اللغة العربية، و إنهم ليلتهمون كتب العرب و يجمعون منها المكتبات الكبيرة بأغلى الأثمان، ويترنمون في كل مكان بالثناء على الذخائر العربية ( ... ) فما أكثر الذين يحسنون بها على أحسن أسلوب! وقد ينظمون شعرا يفوق شعر العرب أنفسهم في الأناقة و صحة الأداء" [5] ( http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn5)
و غير ذلك من علوم: الفلك، الكيمياء، الرياضيات، الطب .. إلخ و هذا غيض من فيض ليس هناك مجال لذكره، كل ذلك من روائع التاريخ الإسلامي، لكنه مغيب!!!
إذن التاريخ الإسلامي المدون فيه الغث و السمين، و الصحيح و المكذوب من الرويات و قد لعبت فيه أياد ملوثة ... فما العمل؟
أليست الحاجة ماسة إلى تطبيق علم الجرح و التعديل على التاريخ الإسلامي حتى نتخلص من الروايات المكذوبة و الرواة المطعون فيهم، كما فعل علماء الحديث؟ ألسنا في حاجة إلى وضع ضوابط وقواعد في التعامل مع التاريخ الإسلامي و إعادة صياغته من جديد؟