فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 71077 من 82138

بل إن الكذب لم يقتصر على الصحابة و التابعين فقط، و إنما تعداهما إلى رسول الله (ص) فكم من حديث زعموا أنه كلام رسول الله (ص) و ما هو كذلك، حتى قال بعضهم نحن لا نكذب على رسول الله (ص) و إنما نكذب له، فجاء علماء الحديث و صنفوا الأحاديث إلى: صحيح، حسن، ضعيف وموضوع، و وضعوا لذلك مصنفات و كتب.

ثم تعاقب الدول و الأسر الحاكمة، فالدولة التي تقوم على أنقاض سابقتها تحاول أن تبرز مساوئ و أخطاء الدولة السابقة، و محو إيجابيتها حتى تثبت أحقيتها بالحكم، و أنها حاربت الظلم و الطغيان، وجاءت بالعدل و الخير. فنشرت الأخبار و الروايات ضد سابقتها و تحتضن الكتاب و الرواة الذين يقومون بذلك، فهذه الدولة العباسية قامت على أنقاض الدولة الأموية و هكذا.

فجاءت هذه الأخبار و الروايات غثها و سمينها، منها الصحيح و منها المكذوب، و منها ما اجتمع فيه الصحيح و غيره. ورأى المؤرخون أن ينقلوها إلينا كما هي من باب الأمانة العلمية. يقول الطبري"فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارؤه أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يسمع له وجها في الصحة، و لا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤتى في ذلك من قبلنا، و إنما أتي من قبل ناقليه إلينا، و أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا"

هذا بالنسبة للمؤرخين العدول أما بالنسبة للمؤرخين أصحاب الأهواء، فإنهم و جدوا ضالتهم في تلك الرويات المخلوطة بين الصحة و الكذب ... يقول القاضي أبو بكر بن العربي في كتابه العواصم من القواصم"إنما ذكرت لكم هذا لتحذروا من الخلق و خاصة المفسرين و المؤرخين و أهل الأدب، فإنهم أهل جهالة بحرمات الدين، أو على بدعة مصرين .. فلا تبالوا بما رووا، ولا تقبلوا رواية إلا عن أئمة الحديث، و لا تسمعوا كلاما إلا للطبري .. و غير ذلك هو الموت الأحمر، و الداء الأكبر، فإنهم ينشؤون أحاديث فيها استحقار الصحابة و السلف، و الإستخفاف بهم، و اختراع الإسترسال في الأقوال و الأفعال عنهم، وخرجوا مقاصدهم عن الدين إلى الدنيا، و عن الحق إلى الهوى. فإذا قاطعتهم أهل الباطل و اقتصرتم على رواية العدول، سلمتم من هذه الحبائل"

"فقد شارك في تدوين أخبار التاريخ الإسلامي و روايتها مجموعة من الإخباريين، و الرواة والضعفاء المتهمين في عدالتهم من أتباع الفرق الضالة: كالسبئية و الرافضة و الشعوبية و الزنادقة و كان الشيعة خاصة أكبر عدد من الرواة و الإخباريين الذين تولوا نشر أكاذيبهم و مفترياتهم، و من الوسائل التي استخدمها المبتدعة من الأخباريين لغرض تحريف الوقائع التاريخية و تشويه سير الصدر الأول من الصحابة:"

الإختلاق و الكذب

الإتيان بخبر أو حادثة صحيحة، فيزيدون فيها، أو ينقصون منها حتى تشوه و تخرج عن أصلها.

وضع الخبر في غير سياقه حتى ينحرف عن معناه و مقصده

التأويل و التفسير الباطل للأحداث

إبراز المثالب و الأخطاء و إخفاء الحقائق و المحاسن

صناعة الأشعار و انتحالها لتأييد حوادث تاريخية مزعومة. لأن الشعر العربي كان ينظر إليه كوثيقة تاريخية و مستند يساعد على توثيق الأخبار و تأييدها.

وضع الكتب و الرسائل المزيفة و نحلها لعلماء و شخصيات مشهورة، كما وضعت الرافضة كتاب"نهج البلاغة"و نسبته للخليفة الراشد علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - و وضع كتاب"الإمامة و السياسة"و نسب إلى أبي محمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري لشهرته عند أهل السنة و ثقتهم به""

و من هنا جاءت الكتب التاريخية مملوءة بالأكاذيب و الأباطيل إلى جانب الصحيح و الوثوق إما لاعتماد المؤرخين الأمانة العلمية و نقلوها لنا، و إما عن قصد و سوء نية و في هذا يقول بن خلدون"إن فحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيام و جمعوها، و سطروها في صفحات الدفاتر وأودعوها، و خلطها المتطفلون بدسائس من الباطل وهموا فيها و ابتدعوا، و زخارف من الرويات المضعفة لفقوها، و وضعوها، و اقتفى تلك الأثار الكثير ممن بعدهم و اتبعوها و لا رفضوا ترهات الأحاديث و لا دفعوها، فالتحقيق قليل، و طرق التنقيح في الغالب كليل، و الغلط و الوهم نسيب للأخبار وخليل، و التقليد عريق في الأدميين و سليل، و التطفل على الفنون عريض طويل، و مرعى الجهل بين الأنام وخيم وبيل"

ثم يستمر بعد أن ذكر بعض المؤرخين"ثم لم يأت من بعد هؤلاء إلا مقلد، و بليد الطبع و العقل أو متبلد ينسج على ذلك المنوال، و يحتذي منه بالمثال، و يذهل عما أحالته الأيام من الأحوال، و استبدلت به عن عوائد الأمم و الأجيال، فيجلبون الأخبار عن الدول، و حكايات الوقائع في العصور الأول، صورا قد تجردت عن موادها، و صفاحا انتضبت من أغمادها، و معارف تستنكر للجهل بطارفها و تلادها. إنما هي حوادث لم تعلم أصولها، و أنواع لم تعتبر أجناسها و لا تحققت فصولها، يكررون في موضوعاتها الأخبار المتداولة بأعيانها، اتباعا لمن عني من المتقدمين بشأنها، و يغفلون أمر الأجيال الناشئة في ديوانها، بما أعوز عليهم من ترجمانها، فتستعجم صحفهم عن بيانها، ثم إذا تعرضوا لذكر الدولة نسقوا أخبارها نسقا، محافظين على نقلها وهما أو صدقا، و لا يتعرضون لبدايتها، و لا يدكرون السبب الذي رفع من رايتها، و أظهر من آيتها، و لا علة الوقوف عند غايتها فيبقى الناظر متطلعا بعد افتقاد أحوال مبادئ الدول و مراتبها"و هذا النص لابن خلدون واضح في مهازل بعض المؤرخين و ضعفهم في التحقيق من صحة ما نقل إليهم.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت