دِرْهَمًا، إنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ!) مما جاء في سياق تقرير مَرْكَزِيَّةِ العِلْمِ، من حديثه الصحيح المليح الذي سيأتي تفصيله قريبا بحول الله. وبهذا كان (العِلْمُ) هو بَدْءَ كُلِّ شَيْءٍ في الدِّين، وهو أساسَ كُلِّ حَرَكَةٍ في الدعوة إليه؛ تربيةً وتزكيةً. وعليه؛ فَـ (الْمُجَدِّدُ) المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الله تعالى يَبْعَثُ لِهَذَهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا) لا يكون إلا عَالِمَا! ولكن بما سيتحدد لمفهوم (العِلْمِ) من معنى شمولي بهذه الرسالة إن شاء الله. ومن هنا آل أمْرُ تجديدِ الدِّين إلى أمرِ تجديد (العِلْمِ) ، كما قررناه ابْتِدَاءً. وهذا لا يكون إلا بعد ضبط مفهومه، وتحديد غايته ووظيفته؛ للتحقق من معنى (الإرث النبوي) في الحديث العظيم، المشار إليه آنفًا، مِنْ قولِه صلى الله عليه وسلم: (مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ. وَإنَّ الْمَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ؛ رِضًا بِمَا يَصْنَعُ! وَإنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ في السَّمَاوَاتِ وَمَنْ في الأرْضِ! وَالْحِيتَانُ في جَوْفِ الْمَاءِ! وَإنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ! وَإنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأنْبِيَاءِ! وَإنَّ الأنِْيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا، إنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ! فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ .. !) فأيُّ إِرْثٍ هذا وأيُّ عِلْمٍ؟ ولن نذهب في التساؤل بعيدا؛ فَلِأَبِي هريرة - رضي الله عنه - إشارةٌ لطيفةٌ في هذا السياق، مِنْ مُبَادَرَةٍ تربويةٍ عجيبةٍ ذاتِ طابعٍ تعليمي، قام بها هو شخصيا؛ لتوجيه جيل التابعين، وذلك (أنه - رضي الله عنه - مَرَّ بسوق المدينة، فوقف عليها، فقال: يا أهلَ السوق! ما أعْجَزَكُمْ؟ قالوا: وما ذاك يا أبا هريرة؟ قال: ذاك مِيرَاثُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُقَسَّمُ وأنتم ههنا! ألاَ تذهبون فتأخذون نصيبَكم منه؟ قالوا: وأين هو؟ قال: في المسجد. فخرجوا سِرَاعًا، وَوَقَفَ أبو هريرة لهم؛ حتى رجعوا، فقال لهم: مَا لَكُمْ؟ قالوا: يا أبا هريرة، فقد أتَيْنَا فدخلنا فَلَمْ نَرَ فيه شيئا يُقَسَّمُ! فقال لهم أبو هريرة: وما رأيتم في المسجد أحَدًا؟ قالوا: بَلَى! رأينا قومًا يُصَلُّونَ، وقومًا يقرؤون القرآن، وقومًا يتذاكرون الحلالَ والحرامَ. فقال لهم أبو هريرة: وَيْحَكُمْ! فذاكَ مِيرَاثُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم!) فكيف هو ذلك الميراث على التفصيل؟ من صلاةٍ وقرآنٍ وأحكامٍ .. ؟ وكيف العِلْمُ به؟ وكيف يكون تنزيلُ حقائقِه في زماننا هذا تربويًا ودعويًا؟ وعلى أي منهاج؟ وعلى أيِّ صِفَةٍ يكون العِلْمُ به مُجَدِّدًا للدين؟ ثم ما الْمِقْدَارُ الكافي منه لإضفاء صفة (العَالِمِيَّةِ) على حاملِه؟ - الثاني: موتُ عددٍ كبير من علماء الجيل الماضي، في المشرق والمغرب. والحالُ أنَّ خَلَفَهُمْ - ممن انتسب إلى العلم - دونهم بكثير علما وخلقا. وقد فقدنا في المغرب مِنْ أساطين العلم الكثير، رحمة الله عليهم جميعا. وهم أشياخنا وأشياخ أشياخنا، من أمثال: الشيخ العلامة أديب الفقهاء عبد الله كنون، وشيخ المفسرين المغاربة العلامة محمد المكي الناصري، والعلامة المحقق محمد بن عبد الهادي المنوني، ومسند القراءات القرآنية بالمغرب العلامة الحاج المكي بن كيران، وحجة المذهب المالكي خاتمة علماء القرويين العلامة عبد الكريم الداودي، ومُحَدِّثِ المغرب العلامة الحافظ عبد الله بن الصديق الغماري، وعالم سوس الكبير الشيخ جبران المسفيوي، والعالِم الداعية الدكتور محمد تقي الدين الهلالي، والشيخ محمد الزمزمي الغماري آل بن الصديق، وأضرابهم كثير ممن لا يمكن حصرهم في مثل هذا السياق. رحمة الله عليهم جميعا، على اختلاف مشاربهم، وتنوع مداركهم، وتعدد معاركهم، فقد كان في ذلك كله إغناء للبلاد والعباد. والحقيقة الْمُرَّةُ أن الْخَلَفَ يكاد ينطبق عليه تمثل أم المؤمنين عائشة بقول لبيد رضي اله عنهما: ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ فِي أَكْنَافِهِمْ ... وَبَقِيتُ فِي خَلَفٍ كَجِلْدِ
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)