على أننا لا نسيغ التعبير عن الأداء المنغم المؤثر الدقيق للقرآن بلفظ (التلحين) ، تنزيها لكلام الله عن أن يتصل بلفظ اصطلاحي منصرف الآن - في مفهوم الكافة - إلى الأغاني، وإن من الأغاني كما هو غير باعث، وإن منها لما هو غير نظيف وليس يثنينا عن رأينا أن يكون بعض القدامى قد استعملوا مادة (لحن) في التعبير عن القراءة القرآنية المرنمة، كالذى ورد عن أن أبا موسى الأشعري كان يقرأ القرآن تلبية لطلب عمر بن الخطاب و (يتلاحن) (1) ، وكالذى ورد عن أن القراء الذين يقرأون القرآن بالألحان عليهم كذا وكذا من الواجبات ... (2) ، فالناس في عصرنا الحاضر يخصون بلفظ (لحن) وما اشتق منه الغناء العادى - 8 - وفى ظننا أن استعمال لفظ (التلحين) في هذا المقام كان
(1) زاد المعاد، وسبق الشارة الى هدا في موضع آخر (2) أنظر: عبد الوهاب السبكى: معيد النعم ومبيد لنقم ص 110
مما جرأ الموسيقين على الدعوة إلى تلحين القرآن على الآلات الموسيقية (1) وهنا نذكر أن المفتين المسلمين يعدون هذا التلحين كفرا، ينقل ابن حجر الهيتمى في كتابه (الإعلام بقواطع الإسلام) (2) أن الرافعى قال: (قالو: ولو قرأ القرآن على ضرب الدف والقضيب فهو كفر) وفي الرد على الداعين إلى استعمال الآلات الموسيقة مع قراءة القرآن، نذكر أنه حتى في الكنيسة المسيحية التى يعد الإنشاد الموسيقى من شعائرها، والتى يتعدد فيها المرتلون، وهم الأرشيد ياكون، أي رئيس الشمامسة الذى يساعد الكهنة في الخدمة، ومنها إلقاء الترانيم والديا كون أو الشماس والأبو ذياكون وهو معاونه
(1) راجع معلومات كثيرة عن هذه الدعوة وردنا عليها في كتابنا: الجمع الصوفى الاول للقرآن الكريم ص 338 وما بعدها (2) ص 42 ط 1293 ه
والأغنستس، أو القارئ، وعمله: تلاوة فصول الكنيسة المسيحية، وهذه أهمية الإنشاد الموسيفى فيها تقرر أن (الذين يرتلون على الذبح لا يرتلون بلذة بل بحكمة(1) ويقول أحد رجال الكنيسة المصرية:(مازالت إلى اليوم موسيقى كنائس كثيرة منها القبطية واليونانية والسريانية
صوتية بجتة، وتوقيعها على الآلات الوترية يعطى أداء هزيلا مبتورا، لا يصور اللحن تصويرا صحيحا أو حقيقيا، كما يصوره الصوت، وتوقيعها على الأرغن أو البيانو يستلزم إضافة الأرمونى إليها، وهى بطبيعتها لا تقبل بتاتا إضافة الأرمونى وإذا حاولنا فلا بد من تمزيق أوصالها وهذا معناه القضاء على طقسنا الكنسى والكنيسة اليونانية لا تستعمل آلات موسيقية قط، ولا حتى الدف والمثلث) (2)
(1) أنظر: الصفوى العسال: المجموع ص 134 دمرقس داود: تفسير قداس الكنيسة القبطية الارثوذكسية ص 19 و 20 (2) راغب مفتاح: الالحان مقال بمجلة مدارس الاحد ع ابريل 1960 ص 29 و 30
هذا مع بعد ما بين طبيعة النص القرآني الذى هو القمة في البلاغة، والذى هو معجز بيقين، وبين طبيعة الترانيم المسيحية التى هي من إنشاء أناس عاديين، والتى تحتاج فعلا إلى وسائل تقويها عند الإنشاد - 9 - وعندنا أنه ليس إخضاع قراءة القرآن لقواعد الموسيقى هو الذى بالتمام بايصاله إلى أعماق القلوب والأفهام، وإنما الذى يكفل هذا هو أن يكون القارئ - فوق حسن صوته والتزامه قواعد التجويد والأداء - عالما بالقرءات، والتفسير، ولسنة، والفقه، والتاريخ، والقصص، والبلا غة، والنحو، والاجتماع، والنفس،
وعجيب أن لا تنبعث دعوة واحدة إلى تعليم القراء هذه العلوم، بينما الدعوات - بسوء نية غالبا وبحسن نية أحيانا - إلى الإفادة - في قراءة القرآن - من الفنون الموسيقية، مع أن موسيقى القرآن، كما قلنا قبلا - نابعة منه، ولا حاجة بالمسلمين إلى استجلا بها إليه (1)
(1) أنظر: لبيب اسعيد: الجمع الصوتى الاول للقرآن الكريم ص 324 - 333
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)