وإذا كان التلحين الموسيقى ينفع في بعض مشتملات القرآن كالوعد والوعيد، ووصف الجنة والنار، والبيان عن الرغبة والرهبد ... الخ، فكيف تفيد الموسيقى في إبراز المعاني في بعض آيات الأحكام من مثل ما يتصل بالنكاح، والإيلاء، والطهار واللعان، والخلع، والطلاق، والعدة، والاستبراء، والنفقة، والرضاعة، والوكالة، والإجارة، والمواريث وأحكام الصيد ... الخ؟ ولقد رسم الزركشي الوسائل الطبيعية إلى أكمل الترتيل، فقال صمنا: (فمن أراد أن يقرأ القران بحال الترتيل، فليقرأه على منازله: فإن كان يقرأ تهديدا لفظ به لفظ المتهدد، وإن كان يقرأ لفظ تعظيم لفظ به على التعظيم) (1) ومن تلك الوسائل (أن يشتغل قلبه في التفكير في معنى ما يلفظه بلسانه) (2) ، وأن يتجاوب مع كل نداء أو أمر أو نهى معه، ويجب أن يقرأ قراءة المتذكر المذكر
(1) البرهان ج 1 ص 450 - 452 (2) نفس المرجع (3) نفس المرجع
وكما يقول الزركشي أيضا: (ولحصول القارئ على الفتح عند الفتاح العليم) ، يجب الاستعانة (بأن تكون تلاوتة على معاني الكلام وشهادة وصف المتكلم من الوعد بالتشويق والوعيد بالتخويف والانذار بالتشديد، فهذا القارئ أحسن الناس صوتا بالقرآن) (1) ومن وسائل تحصيل حلاوة القران ما نقله الشعرانى عن مسلم بن ميمون الخواص، فقد كان يقول: كنت أقرأ القرآن فلا أجد له حلاوة فقلت لنفسي: إقرئيه كأنك تسمعينه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت حلاوته ثم أردت زيادة، فقلت: أقرئيه كأنك تسمعينه من جبريل عليه السلام ينزل به على النبي صلى الله عليه وسلم، فزادت حلاوته ثم قلت: إقرئيه كأنك تسمعينه من رب العالمين، فجاءت الحلاوة كلها (2)
(1) نفس المرجع ج 180 2 و 181 (2) الشعرانى: الطبقات الكبرى ج 1 ص 2 (ط الحلبي سنة 1954)
الفصل الثامن حوك سماع القرآن قال تعالى: (وإذا قرى القرءان فاستعموا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) (1) عن أبى هريرة: كانوا يتكلمون في الصلوة فنزلت (2) وقال سعيد بن المسيب: كان المشركون يإتون رسول الله صلى الله عليه وسلم أذا صلى، فيقول بعضهم لبعض (لا تسمعوا لهذا القرءان والغرا فيه) (3) فأنزل الله جل وعز جوابا لهم:
(1) الاعراب / 204 (2) أنظر: الحسن النيسابوري: غرائب القرآن ورغائب الفرقان ج 9 ص 111 (3) سورة فصلت / 36
(وإذا قرى القرءان فاستمعوا له وأنصتوا) (1) والصحيح القول بعموم السنة في الاسماع للقران والإنصات له، لقوله (لعلكم ترحمون) ، والتخصيص يحتاج إلى دليل (2) (قال العلماء: ظاهرا الأمر للوجوب، فمقتضاه أن يكون الاسماع والسكوت واجبا وقت قراءة القرآن في صلاة وغير صلاة وهو قول الحسن وأهل الظاهر(3) وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يسمع القرآن من غيره، وأمر عبد الله بن مسعود، فقرأ عليه وهو يسمع،
وخشع صلى الله عليه وسلم لسماع القرآن منه حتى ذرفت عيناه (4) والمسلمون يرون أن حسن الإسماع هو بالضرورة طريق الانتفاع بالقرآن، فهو لابد منه، وهو في الدرجه الثانيه
(1) الانصات: السكوت للاستماع والاصغإو المراعاة أنظر: القرطيبى: الجامع لاحكام القرآن ج 7 ص 354) (2) أنظر: القرطبى: المرجع السابق (3) الحسن النيسابوري: المرجع السابق (4) ابن القيم: زاد المعادج 1 ص 189
بعد حسن الأداء الذى هو طبعا في المرتبة الأولى (1) - 2 - ومن أدب الإسلام قوله تعالى: (يأيها الذين ءامنوا ترفعوا أصوتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض النبي أن تحبط أعملكم وأنتم لا تشعرون) (2) (فرفع أصواتهم على صوت القارئ لكلامه عز وجل أولى بأن ينهى عنه، والأدب معه فوق الأدب مع كلام النبي صلى الله عليه وسلم بالضرورة(3 ) )
(1) أنظر: أحمد بن محمد بن عزت شاه الحنفي: فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء ص 16 - نصائح الحكيم للسلطان ط الموسل سنة 1869 م.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)