الفصل الخامس اسلوب التغني الذى ينكره المسلمون - 1 - أغلب الذين كرهوا أو حرموا التغني بالقران لم ينفوا ولم
يعارضوا حقيقة ملموسة ملموسه منذ قديم هي أن المسلمين يستحلون التغني بالقران والتطريب به، وأن النفوس بفطرتها تقبل هذا أما الذى كرهه السلف وأنكروه على من قرأبه فهو، على الحقيقة، (ما يعلم بأنواع الألحان البسيطه والمركبة، على إيقاعات مخصوصة وأوزان مخترعة، ولا يحصل إلا بالتعليم والتكليف(1) - 2 - والقراء في مجموعهم، وعلى مدى تاريخهم، يلتزمون
(1) ابن القيم: زاد العمادج 1 ص 127 و 128
بقواعد الأداء والتجويد، حين يتنغمون بآى القرآن والذى يترخص منهم في هذا الالتزام ولو قليلا يسقط قدره بين القراء والمستمعين على السواء والنكير في هذا كان وما برح شديدا وفى تراجم القراء إشارات تقدير إلى كثير منهم، لأنهم يجمعون إلى الطرب تجويد ا حسنا وأداء دقيقا - 3 - ويقول الماوردى: (القراءة بالألحان الموضوعة إن أخرجت لفظ القرآن من صبغته بادخال حركات فيه، أو إخراج حركات منه، أو قصر ممدود أو مد مقصور، أو تمطيط يخفى به بعض اللفظ، ويلتبس المعنى، فهو حرام، يفسق به القارئ، ويأثم به المستمع، لأنه عدل به عن نهجه القويم إلى الاعوجاج والله تعالى يقول: قراءنا عربيا غير ذى عوج) (1)
وان لم يخرجه اللحن عن لفظه وقراءته على ترتيله كان
(1) سورة الزمر / 28
مباحا، لأنه زاد على ألحانه في تحسينه) (1) ويقول القرطبى: ( ... ، ثم أن في الترجيع والتطريب همزما ليس بمهموز، ومدما ليس بممدود، فترجع اللف الواحدة ألفات، والواو الواحدة واوات ... ، فيؤدى ذلك إلى زيادة في القرآن، وذلك ممنوع، وإن وافق ذلك موضع نبر وهمز صيروها وهمزات ... الخ(2) ويقول على القارى في شرح مقدمه الجزرية: (المراد بلحون العرب القراءة بالطبع وبالأصوات السليقة، وبلحون أهل الفسق الانعام المستفادة من الموسيقى والامر محمول على الندب، والنهى محمول على الكراهية إن حصل مع المنهى عنه المحافظة على صحنه ألفاظ الحروف، وإلا فمحمول على التحريم) (3) ويقول ابن حجرفى (شرح المشائل) : (قد كثر الخلاف في التطريب والتغنى في القرآن،
(1) أنظر: النووي: التبيان ث 55 و 56 (2) المجامع لاحكام القرآن ج 1 ص 16 (3) نقلا عن ساجقلى زاده ص 5
والحق أن ماكان منه طبيعيا وسجيا (نسبة لسجية) كان
محمودا، وما كان منه بالتكلف والألحان المخترعه فهذا هو الذى كرهه السلف) (1) ويعقب على هذا ساجقلى زاده، فيقول: (الكراهية هنا تحريمية دون علة الكراهية للتشبه بالفسقه، هذا إذا لم يؤد التغني بالالحان المخترعة إلى اللحن الحلى.
وأما إن أدى إليه فذا حرام وكبيرة، يفسق به لقارئ، فيكفر مستحلة، لما نقله عن (الحاوى) أن القراءة بالألحان الموضوعة إن غيرت لفظ القرآن بإسكان المتحرك، أو قصر الممدود، أو عمكهما، أو تحطيط نخفى به اللفظ، ويتيبس به المعنى فهو حرام بفمق به القارئ ويأثم به المستمع ... ) (2) والتهانوى - في حديثه عن الترنم - يقول: (غير أن المترنم بالقرآن إذا مدفى غير محل المد، أو زاد عند المد مالا تجيزه العربيه، وقع في بدعة آثمة هي ما يسميه المتأخرون - اصطلاحا - التطريب) (3)
(1) نقلا عن المرجع السابق ص 42 (2) نفس المرجع ص 42 و 43 (3) كشاف اصطلاحات الفنون ج 2 ص 900
-4 - ويظهر أن هذه البدعة: بدعة التمطيط الذى يخرج القرآن إلى الغناء تتفشى أحيانا بين القراء فرادى، بينهم مجتمعين، فتثير أصحاب الغيرة، وتوئسهم أحيانا من صلاح الحال: في ترجمة أحد القراء أن أستاذه قال له: أحيا الله
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)