فقال له ابن أبي دؤاد: وأنت لا تقول إلا بما في كتاب الله أو سنة رسوله؟
فقال له: هب أنك تأولت تأويلا فأنت أعلم وما تأولت، فكيف تستجيز أن تكره الناس عليه بالحبس والضرب. فبين أن العقوبة لا تجوز إلا على ترك ما أوجبه الله، أو فعل ما حرمه الله فإذا كان القول ليس في كتاب الله وسنة رسوله لم يجب على الناس أن يقولوه؛ لأن الإيجاب إنما يتلقى من الشارع، وإن كان للقول في نفسه حقا، أو اعتقد قائله أنه حق، فليس له أن يلزم الناس أن يقولوا ما لم يلزمهم الرسول أن يقولوه لا نصا ولا استنباطا"."
لقد قرر علماؤنا أن من المسائل العملية التي يسميها المتكلمون فروعًا أصولًا، كما أن بعض المسائل العلمية العقدية فروعًا، وقرروا أن الاجتهاد يقع في المسائل العملية وقد يقع في المسائل العلمية، وإذا كان هذا متقررًا لديكم فكلام الأئمة السابق يشمل الأصول ويشمل الفروع لأن أحكام الشرع العملية منها القسمين.
فهل بعد هذا يقال لمن سأل أحدًا عن رأيه في مسألة قطعية عنده أنه مخطئ؟ هذا هو بيت القصيد؟
وإذا كان تقسيم الفروع والأصول على ما سبق متقررًا فهل يسوغ لمن سئل عن رأييه أن يقول حكم الله كذا في مسألة لم ينطق بها النص وفقًا لما قاله السلف؟
وما هو الإشكال في سؤال المرء عن رأيه في الأمور القطعية عنده؟ وبأي دليل منعتموه؟ مع ملاحظة أن رأيه هو ما يراه في المسألة كما أن قوله هو مايقوله فيها ولافرق بين الإثنين.
هذا وقد نقلتم فيما نقلتم -بارك الله فيكم- فتوى الشيخ ابن عثيمين ونصها:"سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله: عن حكم الدين في ... ؟."
فأجاب -حفظه الله - بقوله: أولًا أنا أكره أن يُوَجّه للشخص مثل هذا السؤال، بأن يقال:"ما حكم الدين، ما حكم الإسلام، وما أشبه ذلك"؛ لأن الواحد من الناس لا يُعبر عن الإسلام؛ إذْ قد يخطئ ويصيب، ونحن إذا قلنا: إنه يعبر عن الإسلام، معناه: أنه لا يخطئ؛ لأن الإسلام لا خطأ فيه. فالأولى في مثل هذا التعبير أن يُقال: ما تَرى في حكم من فعل كذا وكذا؟ أو ما ترى فيمن فعل كذا وكذا؟، أو ما ترى في الإسلام هل يكون كذا وكذا حكمه؟. المهم أن يُضاف السؤال إلى المسؤول فقط) انتهى". وهذا كلام عام لاتفريق فيه."
ونقلتم من كلام الأشقر ما يدور في فلك المنع من قول رأي الدين كذا، وأما سؤال الشخص عن رأيه -على ما قرره ابن القيم في الرأي الحسن- فلا أظن أن أحدًا من أهل العلم يمنعه، والله أعلم.
ـ [أشرف بن محمد] ــــــــ [12 - 07 - 05, 02:45 م] ـ
جزاكم الله خيرًا وبارك فيكم
أنا أتدارس لأستفيد من أصحاب الفضل أمثالكم
في الموطأ (1597) ، وغيره، عن: (أبي سهيل بن مالك أنه قال:كنتُ أسير مع عمر بن عبد العزيز، فقال ما رأيك في هؤلاء القدرية؟، فقلتُ: رأيي أن تستتيبهم، فإن تابوا وإلا عرَضْتَهم على السيف. فقال عمر بن عبد العزيز: وذلك رأيي، قال مالك: وذلك رأيي) .
قلتُ: أولًا: شأن العقوبة هنا، كان رأيًا؛ لأنه يتعلق بعقوبة فرقة محدَِثة، ومن ثم كان من باب الإجتهاد.
ثانيًا: قوله"فإن تابوا وإلا عرَضْتَهم على السيف"، هنا نَوعُ إلزام ظاهر.
خرّج الهروي في"ذم الكلام وأهله"، من طريق:"محمد بن يحيى، سمعتُ أبا الوليد يقول: وحدّث بحديثٍ إلى النبي صلى الله عليه و سلم"مرفوع"، فقيل له: ما رأيك؟، فقال: ليس لي مع النبي صلى الله عليه و سلم رأي"اهـ
قال أبو الوليد هذا، مع كَون أنّ رأيه هو موافق للحديث، ولكنه كره:"ما رأيك".
وفي الحديث الذي أوردتُه أنفًا:"إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، و إذا أمرتكم بشيء من رأيي، فإنما أنا بشر".
فهنا فرّق بين ما هو: دين، وبين ما هو رأي.
وفي حديث جبريل، قال"... فأخبرني عن الإيمان؟، ..."، وفي رواية"... ما الإيمان؟، ..."،
ولم يقل مارأيكَ في الإيمان؟، مع أن المسؤول هو: صلى الله عليه وسلم.
وفي الحديث:"فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم"ومنه: كيفية عرض السؤال فيما يتعلق بمسائل الإيمان.
وعلى العموم أنا لا أرتاح إلى هذه الصيغة، والله أعلم.
ـ [أشرف بن محمد] ــــــــ [12 - 07 - 05, 04:32 م] ـ
بالنسبة لكلام الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
1 -يلا حظ أني قمتُ بتلوينه باللون الأخضر في المشاركة (6) ، وجعلته يسير في سياق كلام الشيخ بكر أبو زيد، الذي تم تلوينه أيضًا بالأخضر، وهذا مني مقصود، فنرجو مراجعة ذلك.
2 -قولكم في كلام الشيخ ابن عثيمين أنه (عام لاتفريق فيه.) اهـ
كلا بل هو مقيد بمسائل الإجتهاد يقينًا، بدليل قوله رحمه الله: (لأن الواحد من الناس لا يُعبر عن الإسلام؛ إذْ قد يخطئ ويصيب) اهـ
وهذا لا يكون إلا في مسائل الإجتهاد.
تنبيه: سبق قلم منكم حفظكم الله (ونقلتم من كلام الأشقر)
صوابه: محمد بن إبراهيم شقرة.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)