ثالثًا: إصرار الأعمى على الدعاء وهو قوله: (فادع) فهذا يقتضي أن الرسول r دعا له، لأنه r خير من وفى بما وعد، وقد وعده بالدعاء له إن شاء كما سبق، فقد شاء الدعاء وأصر عليه، فإذن لا بد أنه r دعا له، فثبت المراد، وقد وجه النبي r الأعمى بدافع من رحمته، وبحرص منه أن يستجيب الله تعالى دعاءه فيه، وجهه إلى النوع الثاني من التوسل المشروع، وهو التوسل بالعمل الصالح، ليجمع له الخير من أطرافه، فأمرهأن يتوضأ ويصلي ركعتين ثم يدعو لنفسه وهذه الأعمال طاعة لله سبحانه وتعالى يقدمها بين يدي دعاء
النبي r له، وهي تدخل في قوله تعالى: وابتغوا إليه الوسيلة كما سبق.
وهكذا فلم يكتف الرسول r بدعائه للأعمى الذي وعده به، بل شغله بأعمال فيها
طاعة لله سبحانه وتعالى وقربة إليه، ليكون الأمر مكتملًا من جميع نواحيه، وأقرب إلى القبول والرضا من الله سبحانه وتعالى، وعلى هذا، فالحادثة كلها تدور حول الدعاء - كما هو ظاهر - وليس فيها ذكر شيء مما يزعمون.
وقد غفل عن هذا الشيخ الغماري أو تغافل، فقال في"المصباح" (24) : ( p وإن شئتَ دعوتُ i. أي وإن شئت علمتك دعاء تدعو به، ولقنتك إياه، وهذا التأويل واجب ليتفق أول الحديث مع آخره) .
قلت: هذا التأويل باطل لوجوه كثيرة منها: أن الأعمى إنما طلب منه r أن يدعو له،
لا أن يعلمه دعاء، فإذا كان قوله r له: p وإن شئت دعوت i جوابًا على طلبه تعين أنه الدعاء له، ولابد، وهذا المعنى هو الذي يتفق مع آخر الحديث، ولذلك رأينا الغماري
لم يتعرض لتفسير قوله في آخره: p اللهم فشفعه في، وشفعني فيه i لأنه صريح في أن التوسل كان بدعائه r كما بيناه فيما سلف.
ثم قال: (ثم لو سلمنا أن النبي r دعا للضرير فذلك لا يمنع من تعميم الحديث في غيره) .
قلت: وهذه مغالطة مكشوفة، لأنه لا أحد ينكر تعميم الحديث في غير الأعمى في حالة دعائه r لغيره، ولكن لما كان الدعاء منه r بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى غير معلوم بالنسبة للمتوسلين في شتى الحوائج والرغبات، وكانوا هم أنفسهم لا يتوسلون بدعائه r بعد وفاته، لذلك اختلف الحكم، وكان هذا التسليم من الغماري حجة عليه.
رابعًا: أن في الدعاء الذي علمه رسول الله r إياه أن يقول: p اللهم فشفعه في i وهذا
يستحيل حمله على التوسل بذاته r، أو جاهه، أو حقه، إذ أن المعنى: اللهم اقبل شفاعته r في، أي اقبل دعائه في أن ترد عليَّ بصري، والشفاعة لغة الدعاء، وهو المراد بالشفاعة الثابتة له r ولغيره من الأنبياء والصالحين يوم القيامة، وهذا يبين أن الشفاعة أخص من الدعاء، إذ لا تكون إلا إذا كان هناك اثنان يطلبان أمرًا، فيكون أحدهما شفيعًا للآخر، بخلاف الطالب الواحد الذي لم يشفع غيره، قال في"لسان العرب": (الشفاعة كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره، والشافع الطالب لغيره، يتشفع به إلى المطلوب، يقال بشفعت بفلان إلى فلان، فشفعني فيه) .
فثبت بهذا الوجه أيضًا أن توسل الأعمى إنما كان بدعائه r لا بذاته.
خامسًا: إن مما علم النبي r الأعمى أن يقوله: p وشفعني فيه i أي اقبل شفاعتي، أي دعائي في أن تقبل شفاعته r، أي دعاءه في أن ترد علي بصري. هذا الذي لا يمكن أن يفهم من هذه الجملة سواه.
ولهذا ترى المخالفين يتجاهلونها ولا يتعرضون لها من قريب أو من بعيد، لأنها تنسف بنيانهم من القواعد، وتجتثه من الجذور، وإذا سمعوها رأيتهم ينظرون إليك نظر المغشي عليه. ذلك أن شفاعة الرسول r في الأعمى مفهمومة، ولكن شفاعة الأعمى في الرسول r كيف تكون؟ لا جواب لذلك عندهم البتة. ومما يدل على شعورهم بأن هذه الجملة تبطل تأويلاتهم أنك لا ترى واحدًا منهم يستعملها، فيقول في دعائه مثلًا: اللهم شفع فيَّ نبيك، وشفعني فيه.
سادسًا: إن هذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي r ودعائه المستجاب،
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)