وأما من أثنى عليه فلفضله وزهده وإيثاره واجتهاده في العبادة، واشتهر ذلك عنه، حتى عرفه جماعة من الصالحين عصرًا بعد عصر، فأثنوا عليه بهذا الاعتبار، ولم يعرفوا ما في كلامه من المنكرات لاشتغالهم عنه بالعبادات، والنظر في غير ذلك من كتب القوم لكونها أقرب لفهمهم، مع ما وفقهم الله تعالى له من حسن الظن بآحاد المسلمين، فكيف بابن عربي؟ وبعضُ المثنين عليه يعرفون ما في كلامه، ولكنهم يزعمون أن لها تأويلا، وحَمَلَهم على ذلك كونهم تابعين لابن عربي في طريقته، فثناؤهم على ابن عربي مطَّرحٌ لتزكيتهم معتقدهم.
وقد بان بما ذكرناه سبب ذم الناس لابن عربي ومدحه، والذمُّ فيه مقدَّم، وهو ممن كبّه لسانه، نسأل الله المغفرة"."
وأخيرًا فإنني أطلتُ شيئًا في الرد على الحميري في هذا المبحث، ولكنني رأيت من الأنسب إيراده في فصل الكذب عند الحميري نظرًا لإيراده الأكاذيب الصريحة بالجملة ضمن دفاعه عن إمامه ابن عربي ودعايته الفاشلة له!
*نعود لكذبات الحميري، فقال: [زعمه بأن كلمة (الطاوُس) ، وكلمة (الملئكة) ليستا من خط القرن العاشر] .
قلت: كذب في نقله هذا عني، فأنا قلت إنهما كتبتا على طريقة الهنود، ولم أتطرق لذكر التاريخ حول هاتين الكلمتين بالذات، ومن شاء فليراجع.
* وقال أيضا: [وليعلم أخي القارئ أن هذه النسخة أخرجتها إثراء للمكتبة الإسلامية واحتياج الباب لها، وهي عندي بمثابة الحديث الضعيف الذي ليس في الباب غيره كما ذكرنا في المقدمة] .
قلت: سيأتي مناقشة هذا الكلام وإظهار جهله فيه، ويهمني هنا التنبيه على كذبه في قوله: [وهي عندي بمثابة الحديث الضعيف الذي ليس في الباب غيره كما ذكرنا في المقدمة] ، والواقع أنه لم يذكر شيئا من ذلك في مقدمة الجزء، بل ذكر عكسه تمامًا، فقال في مقدمته (ص7) :"فتبيّن لنا بعد ذلك صحة الحديث الذي يرويه عبد الرزاق عن معمر .."فذكر حديث النور الموضوع، فكيف يصححه وفي نفس الوقت يدعي أنه عنده بمثابة الضعيف الذي ليس في الباب غيره؟! هل يجتمع هذان يا دكتور الحديث؟!
*وقال الحميري: [وقد بينت في كتاب نور البدايات صحة حديث عبد الرزاق دون رواية المصنف] .
قلت: كذا قال الحميري هنا، ونسي أنه سبق له القول في مقدمة جزئه المكذوب (ص7) : [ومن توفيق الله عز وجل أننا عثرنا في هذه النسخة على حديث جابر مسندًا .. وتبيّن لنا بعد ذلك صحة الحديث الذي يرويه عبد الرزاق .. ] الخ!
وقال في الصفحة التي تليها: [وقد أوردنا تلك الروايات مخرَّجة في كتابنا نور البدايات وختم النهايات، فليُنظر] .
فيُستفاد مما سبق أنه ألّف كتاب نور البدايات أولا، ثم وجد المخطوط ثانيا، ثم تبيّن له صحة الحديث ثالثًا، ثم جاء في الإغلاق رابعا ليمارس عادته من نثر الجهل والكذب، دون اكتراث لتضارب كلامه هنا وهناك!
*قال الحميري: [أيد حديث جابر الإمام المحدث الخركوشي، والديلمي، وجمع من العلماء كما تقدم] .
قلت: كذب الحميري عليهما وقوّلهما ما لم يقولاه، فما أحدٌ منهما أيّده، فإن مجرد إيرادهما لما يشابه حديث جابر ليس تأييدًا له ولا تقوية، وقد ناقض الحميري نفسه بما أطلقه أن الحفاظ يروون الموضوعات ولا يبينونها! ثم من المعلوم أن روايات الخركوشي والديلمي من أودية الموضوعات، ويكفي انفراد أحدهما أو كلاهما بحديث للحكم عليه بالضعف إن لم يكن الوضع، ويُفترض أن لا يخفى ذلك على دكتور في الحديث (!) ، علمًا أنهما يوردان الكثير دون إسناد أصلا، وما علمتُ أحدًا أسند حديث جابر قط! إلا ما نبّهنا عليه من الفريتين المتأخرتين من الطرقي الشنقيطي وأخيه البريلوي الهندي ومن تابعهما!
*قال الحميري: [شهادة السيد أديب الكمداني التي استدللتم بها ضدي. فجواب ذلك أخي القارئ: إن أديب الكمداني قد رد على المعترضين ونفى عنا اتهامهم الباطل برسالة بعنوان (براءة الشيخ عيسى بن مانع ومحمود سعيد ممدوح مما نسب إليهما) ، وقد نشرت في موقع ملتقى أهل الحديث وغيره فلتنظر، والذي أرجوه من أخي أديب أن لا ينجرف وراءكم بالتخبط دون تريث وتعقل، وأن يصون الود الذي بيننا.]
قلت: هكذا زوّر الحميري عمدًا عنوان رسالة الكمداني، ولم يستح من هذا الصنيع، بل أحال الناس على موضعه في ملتقى أهل الحديث، وقال: لتُنْظَر! فلما نظرنا حيث أحال وجدنا العنوان الواضح: