وهكذا فعل في باب"من كان يمسح ظاهر أذنيه وباطنهما"فقد سماه"باب في مسح الأذنين"، أخذ من ابن أبي شيبة (1/ 18) الحديثين رقم (38 و 39) .
ومن العجائب أنه قال في الحديث (38) : عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، قال: رأيت أنسًا توضأ فجعل يمسح ظاهر أذنيه وباطنهما، فنظرت إليه فقال: إن ابن مسعود كان يأمر بذلك.
هكذا ساقه في هذا الجزء المفترى من طريق الزهري، بينما هو في مصنف ابن أبي شيبة (1/ 18) : عن حميد قال: رأيت أنسًا .... فذكره بحروفه، فهل رأى كل من الزهري وحميد هذا المشهد بعينه، ثم حدث كل منهما به بالكلمات والحروف ذاتها، وهو حكاية فعل وليس رواية نص؟.
سابعًا: في الجزء تراكيب وألفاظ أعجمية، وتعبيرات متأخرة، وسجعات لم تكن معروفة في القرون الأولى.
فمن ذلك: في الحديث رقم (1) ذُكر في متنه عددٌ من المهن كالصراف والطراز والكيال والصباغ والخياط والحداد والصياد وصاحب الطنبور.
فينظر، هل كانت هذه المهن معروفة عند السلف بهذه الأسماء؟
وفي رقم 7: كان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهًا وأنورهم لونًا.
وفي رقم 9: كان صلى الله عليه وسلم أحلى الناس.
وفي رقم 10: اللهم صل على سيدنا محمد بحر أنوارك ومعدن أسرارك.
وفي رقم 13: اللهم صل على أفضل من طاب منه النجار وسما به الفخار، واستنارت بنور جبينه الأقمار وتضاءلت عند جود يمينه الغمائم والبحار.
وفي رقم 14: اللهم صل على من منه انشقت الأنهار وانفلقت الأنوار.
ولا عجب، فهذه الصيغ مأخوذة من دلائل الخيرات كما تقدم.
وفي رقم 15: عن ابن عون: علمني شيخي أن أقول ليل نهار: اللهم صلِّ على من خلقت من نوره كل شيء.
فمعلوم بالبداهة أن هذه التعبيرات لم تكن شائعة في الصدر الأول، فوجودها في آثار منسوبة للسلف يدل على بطلان هذه النسبة.
ثامنًا: أما الأسانيد التي ركبها واضع الجزء فتدل على بعده عن هذا الفن كل البعد، فركب الكثير من أسانيد الجزء من طريق مالك والزهري ومعمر وأمثالهم من أئمة الحديث في القرون الأولى، ومن شأن هؤلاء وأمثالهم أن يُجمع حديثهم ويَتَسابق طلبة الحديث إلى حفظها وتدوينها وروايتها، وتنتشر بعد ذلك وتشتهر عند المخرجين، ولأجل هذا فإن الحفاظ يحكمون بالوضع على الحديث إذا كان متنه منكرًا وتفرد به راو واحد عن إمام هذا شأنه، بخلاف التفرد عن عامة الرواة.
من هنا فإنه لا يعقل أن يتفرد عبد الرزاق بهذه المتون الغريبة المروية بهذه الأسانيد الذهبية عن أئمة كبار كمالك والزهري، ثم لا يُعثر عليها من غير طريقه عند غيره من المخرجين.
وأبرز مثال على ذلك الحديث الأول في هذا الجزء المفترى فإنه رواه من طريق معمر عن الزهري عن السائب بن يزيد بذاك المتن الطويل المنكر الذي سقته لك آنفًا، فلو ثبت أن عبد الرزاق رواه هكذا لكذبه الحفاظ ورموا بحديثه كله.
وقد وقع واضع الجزء في أخطاء كثيرة لعدم معرفته بهذا الفن، ولست أطيل في نقد الأسانيد التي ذكرها إنما أورد على ذلك بعض الأمثلة:
ففي الحديث رقم (2) قال: عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني البراء.
وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ولد سنة ثمانين، كما في سير أعلام النبلاء (6/ 334) وتوفي البراء بن عازب سنة اثنتين وسبعين كما في الإصابة (1/ 147) فكيف يقول ابن جريج: أخبرني البراء؟
صحيحٌ أن ابن جريج كان مدلسًا، لكن المدلس إنما يدلس بلفظ عن، فإذا قال: حدثنا، ولم يسمع فقد كذب، فهل كان ابن جريج الحافظ الثقة كذابًا؟
وفي الحديث رقم (28) قال: عبد الرزاق، قال: أخبرني الزهري.
ومعروف بالبداهة أن عبد الرزاق لم يدرك الزهري، فقد ولد عبد الرزاق سنة (126) هـ، كما في سير أعلام النبلاء (9/ 565) وتوفي الزهري سنة (124) هـ كما في السير أيضًا (5/ 349) فكيف يصرح بالسماع منه ولم يدركه أصلًا؟ وهل كان عبد الرزاق الإمام الحافظ يكذب أيضًا بمثل هذا؟
والحديث رقم (22) سرقه الواضع من مصنف ابن أبي شيبة (1/ 3) وركب له سندًا من عنده، وفاته أن عبد الرزاق رواه في مصنفه الحقيقي (1/ 186) لكن بسند آخر غير السند الذي ركبه واضع الجزء، فلو كان لدى الواضع معرفة بالحديث أو علم بأصول التزوير لنقل الحديث من المصنف ذاته بسنده ومتنه.
فهذه أدلة واضحة ناطقة عند ذوي النظر في علم الحديث أن هذا الجزء مركب مفتري, وأن عبد الرزاق الصنعاني بريء منه.