ثالثًا: المخطوط يبدأ بباب تخليق نور محمد صلى الله عليه وسلم، مع العلم أن مصنف عبد الرزاق ليس كتابًا في الشمائل حتى يبدأ بمثل هذا العنوان، وإنما هو كتاب في أحاديث الأحكام، وقد ذكر ابن خير الإشبيلي في فهرسته (ص: 129) ما يفيد أن المصنَّف يبدأ بكتاب الطهارة، فهل كان هذا الباب المدعى مفقودًا أيضًا عند ابن خير الإشبيلي في القرن السادس ثم عثر عليه الآن؟.
رابعًا: أول حديث أورده في الباب حديث طويل ركيك الألفاظ والمعاني، أُثبت نصه من الكتاب ليطلع القارئ عليه ويحكم عليه من تلقاء نفسه، فقد قال الحافظ ابن الجوزي في كتابه"الموضوعات" (1/ 103) : (الحديث المنكر يقشعر له جلد طالب العلم وقلبه في الغالب) ، ثم روى بسنده عن الربيع بين خثيم قال:"إن للحديث ضوءًا كضوء النهار تعرفه، وظلمة كظلمة الليل تنكره".
فانظر أيها القارئ الفطن إلى هذا النص:
باب في تخليق نور محمد صلى الله عليه وسلم
(( عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن السائب بن يزيد قال: إن الله تعالى خلق شجرة ولها أربعة أغصان، فسماها شجرة اليقين، ثم خلق نور محمد صلى الله عليه وسلم في حجاب من درة بيضاء مثله كمثل الطاووس، ووضعه على تلك الشجرة فسبح عليها مقدار سبعين ألف سنة، ثم خلق مرآة الحياء ووضعها باستقباله، فلما نظر الطاووس فيها رأى صورته أحسن صورة وأزين هيئة، فاستحى من الله فسجد خمس مرات، فصارت علينا تلك السجدات فرضًا مؤقتًا، فأمر الله تعالى بخمس صلوات على النبي صلى الله عليه وسلم وأمته، والله تعالى نظر إلى ذلك النور فعرق حياء من الله تعالى، فمن عرق رأسه خلق الملائكة، ومن عرق وجهه خلق العرش والكرسي واللوح والقلم والشمس والقمر والحجاب والكواكب وماكان في السماء، ومن عرق صدره خلق الأنبياء والرسل والعلماء والشهداء والصالحين، ومن عرق حاجبيه خلق أمة من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، ومن عرق أذنيه خلق أرواح اليهود والنصارى والمجوس وما أشبه ذلك، ومن عرق رجليه خلق الأرض من المشرق وما فيها، ثم أمر الله نور محمد صلى الله عليه وسلم انظر إلى أمامك فنظر نور محمد صلى الله عليه وسلم فرأى من أمامه نورًا وعن ورائه نورًا، وعن يمينه نورًا وعن يساره نورًا، وهو أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين، ثم سبح سبعين ألف سنة، ثم خلق نور الأنبياء من نور محمد صلى الله عليه وسلم، ثم نظر إلى ذلك النور فخلق أرواحهم فقالوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم خلق قنديلًا من العقيق الأحمر يرى ظاهره من باطنه، ثم خلق صورة محمد صلى الله عليه وسلم كصورته في الدنيا، ثم وضع في هذه القنديل قيامه كقيامه في الصلاة، ثم طافت الأرواح حول نور محمد صلى الله عليه وسلم فسبحوا وهللوا مقدار مئة ألف سنة، ثم أمر لينظروا إليها كلهم فينظرون إليها كلهم فمنهم من رأى رأسه فصار خليفة وسلطانًا بين الخلائق، ومنهم رأى وجهه فصار أميرًا عادلًا، ومنهم من رأى عينيه فصار حافظًا لكلام الله تعالى، ومنهم من رأى حاجبيه فصار مقبلًا، ومنهم من رأى خديه فصار محسنًا وعاقلًا، ومنهم من رأى أنفه فصار حكيمًا وطبيبًا وعطارًا، ومنهم من رأى شفتيه فصار أحسن الوجه ووزيرًا، ومنهم من رأى فمه فصار صائمًا، ومنهم من رأى سنه فصار أحسن الوجه من الرجال والنساء، ومنهم من رأى لسانه فصار رسولًا بين السلاطين، ومنهم من رأى حلقه فصار واعظًا ومؤذنًا وناصحًا، ومنهم من رأى لحيته فصار مجاهدًا في سبيل الله، ومنهم من رأى عنقه فصار تاجرًا، ومنهم من رأى عضديه فصار رماحًا وسيافًا، ومنهم من رأى عضده اليمنى فصار حجامًا، ومنهم من رأى عضده اليسرى فصار جلادًا وجاهدًا، ومنهم من رأى كفه اليمنى فصار صرافًا وطرازًا، ومنهم من رأى كفه اليسرى فصار كيالًا، ومنهم من رأى يديه فصار سخيًا وكياسًا، ومنهم من رأى ظهر كفه اليمنى فصار صباغًا، ومنهم من رأى ظهر كفه اليسرى فصار حاطبًا، ومنهم من رأى أنامله فصار كاتبًا، ومنهم من رأى ظهور أصابعه اليمنى فصار خياطًا، ومنهم من رأى ظهور أصابعه اليسرى فصار حدادًا، ومنهم من رأى صدره فصار عالمًا وشكورًا ومجتهدًا، ومنهم من رأى ظهره فصار متواضعًا ومضيعًا بأمر الشرع، ومنهم من رأى جبينه فصار غازيًا، ومنهم من رأى بطنه فصار قانعًا وزاهدًا، ومنهم من رأى ركبتيه فصار ساجدًا وراكعًا، ومنهم من