وتبعه على هذا النقد طائفة من الأحناف كالعيني ثم اللكنوي ثم عبد الفتاح أبو غدة؛ وكلام الزيلعي هذا ربما استدل به من لا معرفة له بعلم الحديث عامة، أو بعلم الدارقطني خاصة، على أن الدارقطني تساهل في هذا الكتاب تساهلًا كثيرًا جدًا، أو أنه لم يحسن انتقاء الأحاديث في سننه، وليس هذا واقعًا ولا ذاك، وإنما الواقع أن الدارقطني أكثر في كتابه من غرائب المرويات في الأحكام العملية وتكلم عليها، أو على أكثرها ولم يشترط في الكتاب شرطًا يعلم، وتسمية كتابه بالسنن، وترتيبه له كترتيب كتب الأحكام لا يمنع من أن يُكثر فيه من إخراج الأحاديث الواهية والضعيفة، لأنه غير ساكت عليها في الجملة، ولم يدّع أنه يحتج بكل ما في كتابه، ولم يقل هو ولا أحد من أهل العلم أنه انتقى في كتابه أصح وأقوى ما ورد في الباب؛ ثم إنه بعد ذلك كله قد أحال الناس على الأسانيد.
ومما قد يؤخذ منه أن الدارقطني متساهل في التوثيق قول الدارقطني في (سننه) (3/ 174) : (وأهل العلم بالحديث لا يحتجون بخبر ينفرد بروايته رجل غير معروف، وإنما يثبت العلم عندهم بالخبر إذا كان راويه [في مطبوع السنن: رواته] عدلًا مشهورًا، أو رجل قد ارتفع اسم الجهالة عنه، وارتفاع اسم الجهالة عنه أن يروي عنه رجلان فصاعدًا، فإذا كان هذه صفته ارتفع عنه اسم الجهالة، وصار حينئذ معروفًا؛ فأما من لم يرو عنه إلا رجل واحد انفرد بخبر وجب التوقف عن خبره ذلك حتى يوافقه غيره؛ والله اعلم) ؛ [وانظر (فتح المغيث) (2/ 322) ] .
قلت: كلام الدارقطني هذا قد يتوهم متوهم فيفهم منه ظاهره وأن الدارقطني يوثق كل من روى عنه اثنان [انظر المقترح للشيخ الوادعي رحمه الله: السؤال 84] ؛ وذاك بعيد جدًا، لا يقوله أحد من أهل العلم بالحديث ولو نزلت مرتبته فيه، فكيف بمثل الامام الدارقطني، وهو الإمام الجهبذ خاتمة علماء العلل؟! ثم إن كتبه كلها مبنية على خلاف هذا المعنى المتوهم؛ وهو سائر فيها على طريقة سائر أئمة الفن.
ولعله أراد أن الرجل إذا روى عنه راويان يكون حينئذ معروف العين ثم هو بعد ذلك يكون مقبول الحديث أو مردوده وذلك القبول والرد يكون بحسب ما يتبين لأهل العلم من حال الرجل، فحينئذ يكون مقصوده في هذا الكلام رد خبر مجهول العين مطلقًا؛ ولا شك أنه يستثني الصحابة، والنظر في حديث المعروفين؛ وإلا كان معنى كلامه معنى بعيدًا عن الصواب مجانبًا للحق مخالفًا لإجماع المحققين، مناقضًا لعمل الدارقطني في كتبه، وليس شيء من ذاك بلائق به.
وقال المناوي في مقدمة (فيض القدير) (1/ 28) بعد أن ذكر ثناء العلماء على الدارقطني في علم الحديث: (لكن رأيت في كلام الذهبي ما يشير إلى أنه كان يتساهل في الرجال، فإنه قال مرة: [كتاب الدارقطني] مجمع الحشرات، [يرى غير واحد من الفضلاء أنها مصحفة عن"المنكرات"] ؛ وقال أخرى لما نقل عن ابن الجوزي في حديث أعله الدارقطني أنه لا يقبل تضعيفه حتى يبين سببه، ما نصه: هذا يدل على هوى ابن الجوزي وقلة علمه بالدارقطني، فإنه لا يضعف إلا من لا طبَّ فيه) .
ومن جهة أخرى قال عبد الله بن يوسف الجديع في تعليقه على (عوالي سعيد بن منصور) (ص62) : (والدارقطني رحمه الله كثيرًا ما يعل بما ليس بعلة عند التحقيق، وكأنه كان يلزم جانب الحيطة) .
قلت: لعل الاعتدال في وصف منهج الدارقطني من جهة الاعتدال وما يخالفه هو أن الدارقطني يشدد في أحيان قليلة ويسهل أحيانًا، وتساهله أكثر؛ والقضية لا تكفي فيها مثل هذه العجالة.
ومما يلحظه الناظر في منهج الدارقطني في النقد الاختلاف في الحكم على الراوي الواحد، وهذا في الحقيقة أمر هين له أسبابه التي من علمها عذر الدارقطني وفهم مسلكه في هذه المسألة.
فإن أسباب الاختلاف في كلام الناقد في الراوي الواحد كثيرة، منها تأثر حكمه أحيانًا دون أحيانٍ أخرى بحديث لذلك الراوي يسمعه أو يقف عليه قبيل كلامه فيه؛ قال المعلمي في (التنكيل) (ص225) في معرض ذكره بعض تلك الأسباب:
(ومن ذلك أن المحدث قد يُسأل عن رجل فيحكم عليه بحسب ما عرف من مجموع حاله، ثم قد يسمع له حديثًا فيحكم عليه حكمًا يميل فيه إلى حاله في ذاك الحديث، ثم قد يسمع له حديثًا آخر فيحكم عليه حكمًا يميل فيه إلى حاله في هذا الحديث الثاني، فيظهر بين كلامه في هذه المواضع بعض الاختلاف. وقع مثل هذا للدارقطني في سننه وغيرها؛ وترى بعض الأمثلة في ترجمة الدارقطني من قسم التراجم.
وقد يُنقل الحكم الثاني أو الثالث وحده فيُتوهم أنه حكم مطلق).
وقال في (التنكيل) (ص588) في ترجمة الدارقطني:(ينبغي أن تعلم أن كلام المحدث في الراوي يكون على وجهين:
الأول: أن يُسأل عنه فيجيل فكره في حاله في نفسه وروايته ثم يستخلص من مجموع ذلك معنى يحكم فيه [كذا] .
الثاني: أن يستقر في نفسه هذا المعنى ثم يتكلم في ذاك الراوي في صدد النظر في حديث معين من روايته، [قلت: أو في قسمٍ خاصٍّ من أحاديثه، مثل أحاديثه عن بعض شيوخه، ومثل أحاديثه في بعض البلاد أو الأزمنة، ومثل أحاديثه في بعض أحواله كحاله قبل اختلاطه أو بعده] .
فالأول هو الحكم المطلق الذي لا يخالفه حكم آخر مثله إلا لتغير الاجتهاد.
وأما الثاني فإنه كثيرًا ما ينحى به نحو حال الراوي في ذاك الحديث.
فإذا كان المحدث يرى أن الحكم المطلق في الراوي أنه صدوق كثير الوهم ثم تكلم فيه في صدد حديث من روايته، ثم في صدد حديث آخر، وهكذا، فإنه كثيرًا ما يتراءى اختلافٌ ما بين كلماته) .
ثم أتى المعلمي رحمه الله بأمثلة ذلك.
تنبيه ختامي: يتراءى لي أن من أطال النظر في أقوال علماء الجرح والتعديل وجد - في الجملة - تقاربًا واضحًا وتشابهًا بينًا بين أحكام ابن معين والنسائي والدارقطني.