(أما بعد فإن الله سبحانه جعل للعلوم محلين: أحدهما القلوب، والآخر الكتب المدونة، فمن أوتي سمعًا واعيًا وقلبًا حافظًا، فذاك الذي علت درجته، وعظمت في العلم منزلته، وعلى حفظه معوله؛ ومن عجز عن الحفظ قلبه فخط علمه وكتبه، كان ذلك تقييدًا منه له، إذ كتابه عنده آمن من قلبه، لما يعرض للقلوب من النسيان، ويتقسم الأفكار من طوارق الحدثان؛ وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا تكتبوا عني شيئًا سوى القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه"؛ فحمل جماعة من السلف حكم كتاب العلم على ظاهر هذا الخبر، وكرهوا أن يكتب شيءٌ من الحديث وغيره في الصحف، وشددوا في ذلك، وأجاز آخرون منهم كتاب العلم وتدوينه.
وأنا أذكر بمشيئة الله ما روي في ذلك من الكراهة، وأبين وجهها، وأنَّ كَتْبَ العلم مباح غير محظور، ومستحب غير مكروه؛ وبالله تعالى أستعين، وهو حسبي ونعم الوكيل).
سادسًا: عظم خدمته لعلم الرجال:
كتب الرجال أنواع؛ ويمكن جمعها تحت ثلاثة أصناف رئيسة:
الأول: في تسمية الرواة، وهذا الصنف من كتب الرجال يُعنى ببيان أسماء وكنى وألقاب الرواة، على حقيقتها، وبيان كيفية رفع - أو دفع - أوجه وأسباب ونتائج الخطأ في ذلك كله؛ فيدخل في هذا كتب التصحيف وكتب المؤتلف والمختلف وكتب المتفق والمفترق، وأنواع أخرى كثيرة من الكتب.
الثاني: في تواريخ الرواة التي يحتاجها النقاد، مثل تواريخ ولاداتهم ووفياتهم وبدايات طلبهم العلم ورحلاتهم وسماعاتهم، وأدائهم، ونحو ذلك.
الثالث: في الحكم على الرواة تجريحًا وتعديلًا.
فهذه هي أقسام كتب الرجال؛ ولكن يتجوز أحيانًا كثيرة كثير من الناس فيسمونها - مجتمعة - باسم أهم أقسامها، فيقولون: (كتب الجرح والتعديل) ؛ وكذلك يطلقون على (كتب الجرح والتعديل) وحدها اسم (كتب الرجال) ؛ وهذا من التجوز السائغ الذي تبين حقيقة المراد به القرائنُ غالبًا.
فإذا عدنا إلى كتب الخطيب وجدناه ألف في كل هذه الأقسام الثلاثة تآليف محكمة حافلة عظيمًا نفعها غزيرًا علمها.
ومن هذه الكتب (تاريخ بغداد) ، (تلخيص المتشابه) ، (تالي تلخيص المتشابه) ، (المتفق والمفترق) وله في هذه الأبواب المذكورة كتب أخرى كثيرة شهيرة عند طلبة الفن.
سابعًا: تعريف موجز بكتابه العظيم (التاريخ) :أوسع وأجل ما ألفه الخطيب كتابه الحافل (تاريخ بغداد والواردين إليها) ؛ ولقد ألفه في الأصل على طريقة المحدثين؛ ولأجلهم؛ وإن أدخل فيه كثيرًا من غيرهم؛ وكانت عنايته بأخبار المحدثين خاصة هي الأهم الأقدم عنده؛ ولقد جمع في كتابه هذا فأحسن الجمع، ولقد انتقى فيه فأجاد الانتقاء؛ ولئن كنا نسترجع على ما فُقد من كتب الرجال والعلل قبل الخطيب فإن في كتاب الخطيب عزاء غير قليل عن كثير من ذلك الفائت، ففي تاريخه ما لذ وطاب، وفيه من الكنوز العلمية ما نشكر الله على حفظه كثيرًا، وفيه من الفوائد ما يستحق - لو كان في غاية البعد - أن تشد إليه الرحال، ويتسابق إليه الرجال؛ لقد جمع الخطيب، أو نقل - متثبتًا متحريًا - أحسنَ ما وقف عليه من أقوال النقاد بشرط دخول موضوعها في شرط كتابه.
ومن راجع كتاب الدكتور (أكرم ضياء العمري) (موارد الخطيب في تاريخ بغداد) علم شدة عناء هذا الرجل في تأليف هذا الكتاب، وعلمَ اتساعه في اطلاعه، وتكاثر مصادره وإتقانه لتصنيفه.
ولقد قال تاج الدين السبكي في (طبقات الشافعية) (1/ 173) : (كانت نيسابور من أجل البلاد وأعظمها، ولم يكن بعد بغداد مثلها؛ وقد عمل لها الحافظ أبو عبد الله الحاكم تاريخًا تخضع له جهابذة الحفاظ، وهو عندي سيد التواريخ؛ وتاريخ الخطيب وإن كان أيضًا من محاسن الكتب الاسلامية إلا أن صاحبه طال عليه الأمر، وذلك لأن بغداد وإن كانت في الوجود بعد نيسابور إلا أن علماءها أقدم، لأنها كانت دار علم وبيت رئاسة قبل أن ترتفع نيسابور، ثم إن الحاكم قبل الخطيب بدهر والخطيب جاء بعده؛ فلم يأت إلا وقد دخل بغداد من لا يحصى عددًا، فاحتاج إلى نوع من الاختصار في تراجمهم. وأما الحاكم فأكثر من يذكره من شيوخه أو شيوخ شيوخه أو ممن تقارب من دهره، لتقدم الحاكم وتأخر علماء نيسابور؛ فلما قل العدد كثَّر في المقال وأطال في التراجم واستوفاها. والخطيب واضح العذر الذي أبديناه) .