وكذلك قلنا في أصحاب الضرائب والمكوس التي يأخذونها من أمتعة الناس: إن دماءهم مباحة وواجب على المسلمين قتلهم. ولكل واحد من الناس أن يقتل من قدر عليه منهم من غير إنذار منه له ، ولا التقدم إليهم بالقول ; لأنه معلوم من حالهم أنهم غير قابلين إذا كانوا مقدمين على ذلك مع العلم بحظره ، ومتى أنذرهم من يريد الإنكار عليهم امتنعوا منه حتى لا يمكن تغيير ما هم عليه من المنكر ، فجائز قتل من كان منهم مقيما على ذلك ، وجائز مع ذلك تركهم لمن خاف إن أقدم عليهم بالقتل أن يقتل ; إلا أن عليه اجتنابهم والغلظة عليهم بما أمكن وهجرانهم.
وحديث أبي ثعلبة الخشني أيضا الذي قدمناه يدل على ذلك ; لأنه قال صلى الله عليه وسلم: {ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع عنك العوام} يعني والله أعلم: إذا لم يقبلوا ذلك واتبعوا أهواءهم وآراءهم فأنت في سعة من تركهم وعليك نفسك ودع أمر العوام ، وأباح ترك النكير بالقول فيمن هذه حاله. وروي عن عكرمة أن ابن عباس قال له: قد أعياني أن أعلم ما فعل بمن أمسك عن الوعظ من أصحاب السبت ، فقلت له: أنا أعرفك ذلك ، اقرأ الآية الثانية قوله تعالى: {أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ} (لأعراف: 165) قال: فقال لي: أصبت وكساني حلة. فاستدل ابن عباس بذلك على أن الله أهلك من عمل السوء ومن لم ينه عنه ، فجعل الممسكين عن إنكار المنكر بمنزلة فاعليه في العذاب.