إن مبدأ العمل في تنظيمات سرية تأخذ شكل عصابات تعمل بأسلوب أمني. هو مبدأ و نموذج عمل وافد على المجتمعات العربية والإسلامية التي عملت بسبب مكوناتها التاريخية والاجتماعية بطرق تقوم كلها على أسس معاكسة لمبدأ هذا الأسلوب الذي اضطررنا إليه اضطرارًا نتيجة القمع. فالمجمعات العربية والإسلامية مجمعات مفتوحة. تعتمد التربية فيها على التماس مع الجمهور، و يعتمد الحشد فيها على الخطابة والجهر بالدعوة والتأثير في الناس. و تتناقل الأخبار في مجتمعاتنا بنظام الإشاعة. وجب إشاعة الأخبار موروث اجتماعي قديم ، والمواجهات العلنية والمبارزات والمقابلات وعرض البطولات كذلك موروث تاريخي وحضاري. وهدر الوقت ، وحرية الحركة ، وحضارة البداوة والعفوية ، ما تزال تطبع مجمعاتنا رغم التحولات الصناعية والمدنية.
فأسلوب التخفي والعصابات والسرية، وطريقة عمل المافيات ، والمواعيد الدقيقة والمقابلات القصيرة و الأوامر الصارمة الموجزة ، والتنفيذ الحرفي دون التوسع في الإجتهادات. وعقوبة المخطئ، بل وتصفية المفسد في نظام عمل العصابات ... كلها أساليب لم تلق استجابة من قبل مجمعاتنا. ولم تستطع التنظيمات أن تعد لأداء هذه الأساليب إلا كوادر محدودة جدًا ضمن تنظيمها. وطبعت الصفات الاجتماعية العامة و العلل الموروثة عمل تلك التنظيمات وأدت إلى كوارث نتيجة عدم الانسجام مع هذا الأسلوب.
وكان على رأس تلك الإشكالات انعدام الحسن الأمني. وعدم إمكانية ترقية العناصر والقواعد العاملة في معظمها إلى ضرورات هذا الأسلوب. وقد لاحظت أن معظم المجاهدين الأبطال الذين عرفت الكثيرين منهم ، ورأيت أداءهم الرائع في المواجهات الميدانية المفتوحة والجبهات في أفغانستان. كانوا من أفشل العناصر أداءً عندما أوكل إليهم مهام سرية أو اضطروا للحركة الأمنية بعد خروجهم لعالم المطاردات.