فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 4009 من 53113

الآية توقف فعل الإنسان على أن يشاء الله له ذلك الفعل.أي مهما عزم الإنسان على فعل أو تصرف ما فلن يتأتى منه ذلك إلا بعد أن يشاء الله أن يقدره و يوفقه لتنفيذ ذلك الفعل. و هذه حقيقة ثابتة لا ريب فيها , سبق أن أوضحناها و ذكرنا الأدلة عليها عند حديثنا عن خلق الله لفعل الإنسان و بيََنََا أن هذه الحقيقة لا تخل بالحرية الثابتة للإنسان

غير أنك قد تسأل قائلا: فما الحاجة إلى التذكير بشيء أبرم البيان الإلهي القرار بشأنه عندما أكد منح الله الحرية و المشيئة للإنسان؟ إن هذا القرار الذي أبرمه البيان الإلهي و أكده يوضح أن الإنسان عندما يوجه مشيئته و عزمه إلى شيء فلا بد أن يشاء الله له الفعل المتفق مع مشيئته و عزمه. و من ثم فلا بد أن يخلق في كيانه الفعل الذي اتجه إليه عزمه و قصده. فما الحاجة إلى أن يقول بعد هذا القرار الذي أكده له: إنك لن تستطيع ممارسة التذكرة و وضعها من حياتك العملية موضع التنفيذ إلا إن شئتُ لك ممارسة ذلك و تنفيذه؟

و الجواب أن هذا الكلام هنا سيق مساق التهديد لأولئك الذين ظلوا معرضين عن التذكرة التي تعرفهم و تنبههم و تحذرهم .. فهو يقول لهم: بوسعكم إن شئتم أن تلتفتوا إلى هذه التذكرة و تحفلوا بها و لكن فلتعلموا أن هذا الوسع قد يُحجب عنكم إذا شاء الله ذلك و تطاول أمد استكباركم و إعراضكم .. ترغبون عندئذ في الالتفات إلى هذه التذكرة و العمل بها و لكنكم لا تقدرون على ذلك و لا تجدون سبيلا إليه و هذا من قبيل قول الله تعالى"و اعلموا أن الله يحول بين المرء و قلبه"و من قبيل قوله:"سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق و إن يروا كل آية لا يؤمنوا بها و إن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا و إن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا"و من قبيل قوله:"الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري و كانوا لا يستتطيعون سمعا"

فها هنا تصريح بأن هؤلاء الناس قد حيل بينهم و بين الاستفادة من عقولهم و أسماعهم و قواهم على الرغم من أنهم يتمتعون بذلك كله .. و ذلك بمقتضى عقاب عاجل حاق بهم من الله عز و جل جزاء على إمعانهم في العناد و الاستكبار. وهي سنة ربانية يأخذ الله بها بعضا من عباده ...

و صفوة القول أن المشيئة التي يتمتع بها الإنسان في اختيار تصرفاته و أعماله متوقفة على مشيئة الله أن يكرمه و يمتعه بها. و لما شاء الله أن يمتع عباده بهذه النعمة كانت هي المزية الكبرى التي امتازواا بها عن سائر الحيوانات الأخرى. و غني عن البيان أن الله إن شاء سلب عن عباده هذه المكرمة كما يسلبها فعلا عن أناس حاق بهم غضب الله عز و جل ....

..... أما الإنسان الذي ركل فطرة البحث عن الحق و الرغبة في الركون إليه بقدمه و استسلم لأمواج التربية الجانحة و الضلالات الفكرية الباطلة ثم آثر الانقياد لكبرياء نفسه على الاستجابة لقرار عقله ثم أصر إصراره على أن يستمر على هذا النهج معرضا عن التذكرة و الحوار مستكبرا عليهما آنا و ساخرا بهما و بأصحابهما آنا آخر. فهل من الظلم له أن يطبع الله على قلبه بعد طول تنبيه و تحذير و إنذار كما قد قرر في الآيات التي سبق إيرادها مما يتضمن هذا القانون الرباني؟

وعن هؤلاء العتاة و المستكبرين يقول الله تعالى وهو يصف جانبا من استكبارهم على الحق و سخريتهم به:"و منهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم: ماذا قال آنفا * أولئك الذين طبع الله على قلوبهم و اتبعوا أهواءهم"سورة محمد 16

(* تعليق من الكاتب: أي قالوا ذلك استهزاء و يأتي بعد هذه الآية مباشرة قوله تعالى"و الذين اهتدوا زادهم هدى و آتاهم تقواهم"فانظر إلى دقة المقابلة لتدرك دقة القانون الإلهي)

أجل أعود فأسأل: هل منن الظلم أن يعاقب الله هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم بهذا العتو و الاستكبار فيطبع على قلوبهم و يستلب منها قابلية الهداية نتيجة لما حكموا به على أنفسهم من الظلم لها و الإساءة إليها؟

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت