ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 -المصدر السابق ص 87
2 -في الأدب الجاهلي 183
وإنما كان الهدف أن يوصل ذلك الأدب إلى عقول الناس لإحيائه بعد أن كان منسيا، وهو يعترف أنه سيواجه الخصومة لكنه كان يؤثر رضى العلم والضمير على رضى الناس. يبدو أنه لم يرغب أن يحتال على نفسه وعلى الآخرين، فطرح منهجه ونظريته بذلك الشكل متحديًا الصعوبات.
فيقول:"أما نحن فمطمئنون إلى مذهبنا مقتنعون بأن الشعر الجاهلي أو أكثر هذا الشعر الجاهلي لا تمثل شيئا ولا تدل على شيء إلا ما قدمنا من العبث والكذب والانتحال، وأنه إذا لم يكن بد من الاستدلال بنص على نص، إنما هو الاستدلال بنصوص القرآن على عربية هذا الشعر لا بهذا الشعر على عربية القرآن" (1)
ويشير الدكتور/ محمد خليفه التونسي أن التصور المنهجي عند طه حسين يقوم على أساس فلسفي خاص، هو نقد المعرفة، هذا الموقف الفلسفي من المعرفة لم يصل إليه طه حسين عن أصالة في الفكر ولكنه نقله نقلا عن مصادره الأوربية خاصة مصادره الفرنسية. (2)
ومن المناهج أيضا التي أخذها في منهجه التكاملي أو التوفيقي، فطه حسين اقتنع بالمنهج التاريخي وحاول تطبيقه في الأدب العربي وهذا بفضل أستاذه (لانسون) ، لكنه رغم ذلك لم يكن حريصا كل الحرص في تطبيقه لهذا المنهج في كل مؤلفاته الأدبية، حتى أنه عندما قام بتطبيق هذا المنهج في كتابه (في الشعر الجاهلي) لم يلتزم التزاما دقيقا بهذا المنهج في الكتاب وذلك كما يرى الدكتور/ عبد المجيد حنون.
"أنه لم يكن يسعى إلى تأليف كتاب علمي دقيق، بقدر ما كان يسعى إلى إثارة القراء و المثقفين وهز الأوضاع الأدبية" (3)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 -- حديث الأربعاء ص 45
2 -ينظر د/ محمد خليفة حسن وحدة المنهج في فكر طه حسين ص 185 الكتاب التذكاري
بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لرحيل طه حسين)
3 -اللانسونية وأثرها في رواد النقد العربي الحديث - د/ عبد المجيد حنون - مكتبة الأسرة
2006 ص 191
ويقول أيضا الدكتور شكري فيصل تعليقا على هذه النقطة.
"لقد حقق بكتابه هذا الأهداف المتوخاة منه، فأثار زوبعة نقدية أتاحت له شهرة واسعة، رغم أنه لم يلتزم فيه كثيرا بأسس المنهج التاريخي ودقته العلمية" (1)
ويصرح طه حسين بعدم تطبيق المنهج التاريخي كليا على الأدب العربي رغم إيمانه به إلا أن الوقت لم يحن بعد فيقول:
"من هنا نستطيع أن نقول إن الوقت لم يأن بعد لوضع تاريخ أدبي صحيح يتناول آدابنا العربية بالبحث العلمي و الفني، ذلك لأن هذه الجهود المتفرقة لم تبذل بعد، ولأن هذه العلوم المختلفة لم تعرف وجهها العلمي الصحيح عندنا بعد، وكيف تريد أن تضع تاريخ الادب العربي وأنت لم تستكشف ولم تحقق ولم تفسر كثرة النصوص العربية القديمة نحوها وصرفها، ولم يعن الباحثون بوضع المعاجم التاريخية التي تبين لك - معتمدةعلى النصوص الصحيحة - تطور الكلمات في دلالتها على المعاني المختلفة: فتمكنك بذلك من أن تفهم النصوص الأدبية على وجهها وكما أراد أصحابها" (2)
وكما أوضحنا أن طه حسين عدل عن المنهج الطبعي العلمي ليقيم بدلًا منه منهجًا توفيقيًا يسعى إلى فهم شخصية الأديب وعصره وفنه حيث يؤكد هذا الكلام بقوله:
"إن تاريخ الأدب لا يستطيع بوجه من الوجوه أن يكون موضوعيًا صرفًا، وإنما هو متأثر بالذوق الشخصي. تستطيع أن تقرأ الآثار الأدبية التي تركها سانت بوف، فسيكون موقفك منها موقفك من الآيات الفنية القيمة. لن تجد في هذه الآثار اللذة العلمية -التي لا تخلو من حموضة وجفاء- ذلك لأن بوف لم يستطع أن يمحو شخصيته، فأنت تراه فيما يكتب، وأنت تسمعه، وأنت تتحدث إليه وتستكشف عواطفه وميوله ... وهبه استطاع أن يبرأ من ذوقه وشخصيته، ويعالج الآثار الأدبية كما يعالج صاحب الكيمياء عناصره في معمله، فأول نتيجة لهذا أن يصبح تاريخ الأدب -النقد- جافًا بغيضًا، وأن تنقطع الصلة بينه وبين الأدب."
(يُتْبَعُ)