ـ [زيد الخيل] ــــــــ [29 - 10 - 2005, 12:40 ص] ـ
طالما دارت كلمة (الأسلوب) في كتابات النقاد و دارسي الأدب في تنظيرهم و تطبيقاتهم على النصوص , و طالما ذكرها البلاغيون المحدثون في أطروحاتهم البلاغية الجديدة و رؤاهم المعاصرة؛ لهذا أحببت أن أقدم في السطور التالية إضاءة لهذه الكلمة , و تقريبًا لمفهومها من خلال التعريف بها من زوايا متعددة ...
1 -الأسلوب في التراث العربي:
هو في اللغة: السطر من النخيل وكل طريق ممتد , و الأسلوب: الطريق و الوجه و المذهب , و الجمع أساليب (1) .
و قد عرّف عبد القاهر الجرجاني الأسلوب بأنه"الضرب من النظم و الطريقة فيه" (2) , أما عند حازم القرطاجني فإن مصطلح الأسلوب يُطلق على التناسب في التأليفات المعنوية ,"فيمثل صورة الحركة الإيقاعية (3) للمعاني في كيفية تواليها و استمرارها, و ما في ذلك من"حسن الاطراد و التناسب و التلطف في الانتقال عن جهة إلى جهة , و الصيرورة من مقصد إلى مقصد" (4) " (5) .
و حازم يجعل الأسلوب منصبًّا على الأمور المعنوية (التناسب فيها) , و جعَله في مقابل النظم الذي هو منصب على التأليفات اللفظية , و هذا بخلاف نظرة عبد القاهر , حيث جعل النظم شاملًا لما يتعلق بالألفاظ و المعاني (6) , و عرّفه ابن خلدون بأنه"المنوال الذي ينسج فيه التراكيب أو القالب الذي تُفرغ فيه" (7) .
و مما يلفت الانتباه في تعريفات هؤلاء العلماء الثلاثة أن كلاًّ منهم نظر إلى الأسلوب من زاويةٍ معينة , فهو عند ابن خلدون مختص بصورة الألفاظ (القالب) , و عند حازم هو مختص بصورة المعاني , أما عند عبد القاهر فمفهوم الأسلوب ينسحب على الصورتين اللفظية و المعنوية - من غير انفصالٍ بينهما - , و هذه هي النظرة الأشمل للأسلوب.
2 -الأسلوب في النقد الحديث:
يرتبط التعريف الحديث للأسلوب"بنظرية الإبلاغ أو الإخبار", حيث لا بد لأي عملية تخاطب من مخاطِب و مخاطَب و خطاب (مرسل و مستقبل و رسالة) (8) (9) ؛ و لذلك فالأسلوب لا يمكن دراسته أو بحثه دون أن يرتبط بعناصر الاتصال: المؤلف و القارئ و النص (10) ؛ مما جعل كتب علم الأسلوب (11) تحفل بتعريفه حسب هذه العناصر (12) , و مهما تعددت تعريفات الأسلوب إلا أنه يمكن إرجاعها إلى الاعتبارات الثلاثة السابقة (13) .
أ - تعريف الأسلوب باعتبار المخاطِب:
يُعرَّف الأسلوب على هذا الاعتبار بأنه: الكاشف لنمط التفكير عند صاحبه , إذ
يعبّر تعبيرًا كاملًا عن شخصيته , و يعكس أفكاره و صفاته الإنسانية , و يبيّن كيفية نظره إلى الأشياء و تفسيره لها و طبيعة انفعالاته , و غير ذلك مما يؤكد الذاتية أساسًا للأسلوب ,
حتى إن الأسلوبيين ما يزالون يتناقلون ما ذكره بيفون من أن الأسلوب هو الإنسان نفسه , أو أن: الأسلوب هو الرجل (14) .
و قد كان لتلك المقولة أثرها الواضح في كثيرٍ ممن جاؤوا بعده , مثل: شوبنهاور حينما عرّف الأسلوب بكونه ملامح الفكر , و ماكس جوب الذي بيّن أن"جوهر الإنسان كامن في لغته و حساسيته" (15) .
و يمكن أن أجمل بعد هذه التعريفات تعريف الأسلوب باعتبار المخاطِب في أنه: البصمة المميّزة للمبدع , و التي تعكس فكره و شخصيته و مشاعره و صفاته ... , أو: هو الصورة التي يعكسها النص عن النواحي المختلفة للمبدع ...
ب - تعريف الأسلوب باعتبار المخاطَب:
يرى قيرو أن الأسلوب مجموعة ألوان يصطبغ بها الخطاب ليصل عن طريقها إلى إقناع القارئ
و إمتاعه و شد انتباهه و إثارة خياله , و دي لوفر يلح على أن الأسلوب هو سلطان العبارة إذ تجتذبنا , و كذلك فعل كلٌّ من كولان (16) و أحمد الشايب الذي يرى أن الأسلوب يمكن أن يكون له معنى أوسع فيشمل"الفن الأدبي الذي يتخذه الأديب وسيلة للإقناع أو التأثير" (17) .
و مهما تعددت تعريفات الأسلوب باعتبار المخاطَب إلا أنها تلتقي في أمرٍ مشترك , ألا و هو أثر الأسلوب على المتلقّي , فقد يكون هذا الأثر إمتاعًا أو إقناعًا , أو شد انتباه أو إثارة خيال ... , أو أي تأثيرٍ على المتلقّي أيًّا كان نوع هذا التأثير ...
و على هذا فإنه يمكن لي الخلوص بتعريفٍ للأسلوب باعتبار المخاطَب , فالأسلوب - بناءً على هذا - يعني: سمات النص التي تترك أثرها على المتلقي - أيًّا كان نوع هذا الأثر -.
(يُتْبَعُ)