فهرس الكتاب

الصفحة 763 من 6230

يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ

[النساء: 38] إلى قوله: لَهُمْ أَجْرُهُمْ [البقرة: 274] وَقَوْلُهُ: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ [الْبُرُوجِ: 10] إِلَى قَوْلِهِ: فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَقَوْلُهُ: وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وقوله: وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا وَقَوْلُهُ: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَقَوْلُهُ: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ وَنَذْكُرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً

[الْبَقَرَةِ: 274] .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: تَطَوَّعَ تَفَعَّلَ مِنَ الطَّاعَةِ وَسَوَاءٌ قَوْلُ الْقَائِلِ: طَاعَ وَتَطَوَّعَ، كَمَا يُقَالُ: حَالَ وَتَحَوَّلَ وَقَالَ وَتَقَوَّلَ وَطَافَ وَتَطَوَّفَ وَتَفَعَّلَ بِمَعْنَى فَعَلَ كَثِيرًا، وَالطَّوْعُ هُوَ الِانْقِيَادُ، وَالطَّوْعُ مَا تَرْغَبُ بِهِ مِنْ ذَاتِ نَفْسِكَ مِمَّا لَا يَجِبُ عَلَيْكَ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الَّذِينَ قَالُوا: السَّعْيُ وَاجِبٌ، فَسَّرُوا هَذَا التَّطَوُّعَ بِالسَّعْيِ الزَّائِدِ عَلَى قَدْرِ الْوَاجِبِ وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِالسَّعْيِ فِي الْحَجَّةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَقَالَ الْحَسَنُ: الْمُرَادُ مِنْهُ جَمِيعُ الطَّاعَاتِ وَهَذَا أَوْلَى لِأَنَّهُ أَوْفَقُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ.

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ فَاعْلَمْ أَنَّ الشَّاكِرَ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْمُظْهِرُ لِلْإِنْعَامِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ، فَالشَّاكِرُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى مَجَازٌ، وَمَعْنَاهُ الْمُجَازِي عَلَى الطَّاعَةِ: وَإِنَّمَا سَمَّى الْمُجَازَاةَ عَلَى الطَّاعَةِ شُكْرًا لِوُجُوهٍ. الْأَوَّلُ: أَنَّ اللَّفْظَ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّلَطُّفِ لِلْعِبَادِ مُبَالَغَةً فِي الْإِحْسَانِ/ إِلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [الْبَقَرَةِ: 245] وَهُوَ تَعَالَى لَا يَسْتَقْرِضُ مِنْ عِوَضٍ، وَلَكِنَّهُ تَلَطُّفٌ فِي الِاسْتِدْعَاءِ كَأَنَّهُ قِيلَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَعْمَلُ عَمَلَ الْمُقْرِضِ بِأَنْ يُقَدِّمَ فَيَأْخُذَ أَضْعَافَ مَا قَدَّمَ. الثَّانِي: أَنَّ الشُّكْرَ لَمَّا كَانَ مُقَابِلًا لِلْإِنْعَامِ أَوِ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ سُمِّيَ كُلُّ مَا كَانَ جَزَاءً شُكْرًا عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ. الثَّالِثُ: كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَنَا وَإِنْ كُنْتُ غَنِيًّا عَنْ طَاعَتِكَ إِلَّا أَنِّي أَجْعَلُ لَهَا مِنَ الْمَوْقِعِ بِحَيْثُ لَوْ صَحَّ عَلَى أَنْ أَنْتَفِعَ بِهَا لَمَا ازْدَادَ وَقْعُهُ عَلَى مَا حَصَلَ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَقْصُودُ بَيَانُ أَنَّ طَاعَةَ الْعَبْدِ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَوَاقِعَةٌ مَوْقِعَ الْقَبُولِ فِي أَقْصَى الدَّرَجَاتِ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: عَلِيمٌ فَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَعْلَمُ قَدْرَ الْجَزَاءِ فَلَا يَبْخَسُ الْمُسْتَحِقَّ حَقَّهُ لِأَنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِقَدْرِهِ وَعَالِمٌ بِمَا يَزِيدُ عَلَيْهِ مِنَ التَّفَضُّلِ، وَهُوَ أَلْيَقُ بِالْكَلَامِ لِيَكُونَ لقوله تعالى: عَلِيمٌ تعلق بشاكر وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَأْتِي الْعَبْدُ فَيَقُومُ بِحَقِّهِ مِنَ الْعِبَادَةِ وَالْإِخْلَاصِ وَمَا يَفْعَلُهُ لَا عَلَى هَذَا الْحَدِّ، وَذَلِكَ تَرْغِيبٌ فِي أَدَاءِ مَا يَجِبُ عَلَى شُرُوطِهِ، وَتَحْذِيرٌ من خلاف ذلك.

[سورة البقرة(2): آية 159]

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ (159)

[في هذه الْآيَةِ مَسَائِلُ] الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ كَتَمَ شَيْئًا مِنَ الدِّينِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ يَجْرِي عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الْعُمُومِ ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ فِي الْيَهُودِ خَاصَّةً قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا نَفَرًا مِنَ الْيَهُودِ عَمَّا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ صِفَاتِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَمِنَ الْأَحْكَامِ، فَكَتَمُوا، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ وَالسُّدِّيِّ وَالْأَصَمِّ. وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ لِوُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ وَالْعَارِضُ الْمَوْجُودُ، وَهُوَ نزوله عند سبب معين لا يَقْتَضِي الْخُصُوصَ عَلَى مَا ثَبَتَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت