فهرس الكتاب

الصفحة 2552 من 6230

لِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْعِبَادَةِ رُسُوخُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْقَلْبِ وَالِاشْتِغَالَ بِعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ يُزِيلُ مَعْرِفَةَ اللَّهِ عَنِ الْقَلْبِ فَكَانَ هَذَا ضِدًّا لِلْغَرَضِ وَنَقِيضًا لِلْمَطْلُوبِ وَاللَّهُ اعلم.

[سورة الأعراف(7): آية 140]

قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (140)

اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى حَكَى عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا لَهُ: اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ فَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَكَرَ فِي الْجَوَابِ وُجُوهًا: أَوَّلُهَا: أَنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالْجَهْلِ فَقَالَ: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ وَثَانِيهَا: أَنَّهُ قَالَ:

إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ أَيْ سَبَبٌ لِلْخُسْرَانِ وَالْهَلَاكِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ قَالَ: وَباطِلٌ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ أَيْ هَذَا الْعَمَلُ الشَّاقُّ لَا يُفِيدُهُمْ نَفْعًا فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ. وَرَابِعُهَا: مَا ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ التَّعَجُّبِ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهٍ يُوجِبُ الْإِنْكَارَ وَالتَّوْبِيخَ فَقَالَ: أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْإِلَهَ لَيْسَ شَيْئًا يُطْلَبُ وَيُلْتَمَسُ وَيُتَّخَذُ بَلِ الْإِلَهُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي يَكُونُ/ قَادِرًا عَلَى الْإِنْعَامِ بِالْإِيجَادِ وَإِعْطَاءِ الْحَيَاةِ وَجَمِيعِ النِّعَمِ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ فَهَذَا الْمَوْجُودُ هُوَ الْإِلَهُ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْخَلْقِ عِبَادَتُهُ فَكَيْفَ يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْ عِبَادَتِهِ إِلَى عِبَادَةِ غَيْرِهِ. قَالَ الْوَاحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُقَالُ: بَغَيْتُ فُلَانًا شَيْئًا وَبَغَيْتُ لَهُ. قَالَ تَعَالَى: يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ [التَّوْبَةِ: 47] أَيْ يَبْغُونَ لَكُمْ وَفِي انْتِصَابِ قَوْلِهِ: إِلهًا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الْحَالُ كَأَنَّهُ قِيلَ: أَطْلُبُ لَكُمْ غَيْرَ اللَّهِ مَعْبُودًا وَنَصْبُ (غَيْرَ) فِي هَذَا الْوَجْهِ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ. الثَّانِي: أَنْ يُنْصَبَ إِلهًا عَلَى الْمَفْعُولِ به وغَيْرَ عَلَى الْحَالِ الْمُقَدَّمَةِ الَّتِي لَوْ تَأَخَّرَتْ كَانَتْ صِفَةً كَمَا تَقُولُ: أَبْغِيكُمْ إِلَهًا غَيْرَ اللَّهِ. وَقَوْلُهُ: وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ فِيهِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: الْمُرَادُ أَنَّهُ تَعَالَى فَضَّلَهُمْ عَلَى عَالَمِي زَمَانِهِمْ.

الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى خَصَّهُمْ بِتِلْكَ الْآيَاتِ الْقَاهِرَةِ وَلَمْ يَحْصُلْ مِثْلُهَا لِأَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ فَضَلَهُمْ بِسَائِرِ الْخِصَالِ وَمِثَالُهُ: رَجُلٌ تَعْلَّمَ عِلْمًا وَاحِدًا وَآخَرُ تَعَلَّمَ عُلُومًا كَثِيرَةً سِوَى ذَلِكَ الْعِلْمِ فَصَاحِبُ الْعِلْمِ الْوَاحِدِ مُفَضَّلٌ عَلَى صَاحِبِ الْعُلُومِ الْكَثِيرَةِ بِذَلِكَ الْوَاحِدِ إِلَّا أَنَّ صَاحِبَ الْعُلُومِ الْكَثِيرَةِ مُفَضَّلٌ عَلَى صاحب العلم الواحد في الحقيقة.

[سورة الأعراف (7) : آية 141]

وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141)

وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُفَسَّرَةٌ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَالْفَائِدَةُ فِي ذِكْرِهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكُمُ الِاشْتِغَالُ بِعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى. والله اعلم.

[سورة الأعراف (7) : آية 142]

وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142)

[في قوله تعالى وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً] فِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: وَعَدْنَا بِغَيْرِ أَلْفٍ وَالْبَاقُونَ واعَدْنا بِالْأَلْفِ عَلَى الْمُفَاعَلَةِ وَقَدْ مَرَّ بَيَانُ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اعْلَمْ أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُوَ بِمِصْرَ: إِنْ أَهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّهُمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت