فهرس الكتاب

الصفحة 4103 من 6230

فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا

فَوَصَفَ تَعَالَى أَحَدَ مَا لِأَجْلِهِ عُذِّبُوا وَبُعِدُوا مِنَ الْخَيْرِ، وَهُوَ مَا عَامَلُوا بِهِ الْمُؤْمِنِينَ. وَفِي حَرْفِ أُبَيٍّ إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ بِالْفَتْحِ بِمَعْنَى لِأَنَّهُ. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ عَنْ عَاصِمٍ بِضَمِّ السِّينِ فِي جَمِيعِ القرآن، وقرأ الباقون بالكسر هاهنا وفي صلى اللَّه عليه وسلم قَالَ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ هُمَا لُغَتَانِ كَدُرِّيٍّ وَدِرِّيٍّ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ الْكَسْرُ بِمَعْنَى الِاسْتِهْزَاءِ بِالْقَوْلِ، وَالضَّمُّ بِمَعْنَى السُّخْرِيَةِ. قَالَ مُقَاتِلٌ: إِنَّ رُؤَسَاءَ قُرَيْشٍ مِثْلَ أَبِي جَهْلٍ وَعُتْبَةَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ كَانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَضْحَكُونَ بِالْفُقَرَاءِ مِنْهُمْ مِثْلِ بِلَالٍ وَخَبَّابٍ وَعَمَّارٍ وَصُهَيْبٍ، وَالْمَعْنَى اتَّخَذْتُمُوهُمْ هُزُوًا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ بِتَشَاغُلِكُمْ بِهِمْ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ ذِكْرِي وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:

وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ مَا يَقْتَضِي فِيهِمُ الْأَسَفَ وَالْحَسْرَةَ بِأَنْ وَصَفَ مَا جَازَى بِهِ أُولَئِكَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ إِنَّهُمْ بِالْكَسْرِ وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ فَالْكَسْرُ اسْتِئْنَافٌ أَيْ قَدْ فَازُوا حَيْثُ صَبَرُوا فَجُوزُوا بِصَبْرِهِمْ أَحْسَنَ الْجَزَاءِ، وَالْفَتْحُ عَلَى أَنَّهُ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي مِنْ جَزَيْتُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا بِإِضْمَارِ الْخَافِضِ أَيْ جَزَيْتُهُمُ الْجَزَاءَ الْوَافِرَ لِأَنَّهُمْ هُمُ الفائزون.

[سورة المؤمنون (23) : الآيات 112 الى 116]

قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (113) قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)

[في قوله تعالى قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ إلى قوله فَسْئَلِ الْعادِّينَ] اعْلَمْ أَنَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَسَائِلَ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» فِي مَصَاحِفِ أَهْلِ الْكُوفَةِ قالَ وَهُوَ ضَمِيرُ اللَّه أَوِ الْمَأْمُورِ بسؤالهم من الملائكة، وقل فِي مَصَاحِفِ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَصْرَةِ وَالشَّامِ وَهُوَ ضَمِيرُ الْمَلَكِ أَوْ بَعْضِ رُؤَسَاءِ أَهْلِ النَّارِ.

المسألة الثَّانِيَةُ: الْغَرَضُ مِنْ هَذَا السُّؤَالِ التَّبْكِيتُ وَالتَّوْبِيخُ، فَقَدْ كَانُوا يُنْكِرُونَ اللُّبْثَ فِي الْآخِرَةِ أَصْلًا وَلَا يَعُدُّونَ اللُّبْثَ إِلَّا فِي دَارِ الدُّنْيَا وَيَظُنُّونَ أَنَّ بَعْدَ الْمَوْتِ يَدُومُ الْفَنَاءُ وَلَا إِعَادَةَ فَلَمَّا حَصَلُوا فِي النَّارِ وَأَيْقَنُوا أَنَّهَا دَائِمَةٌ وَهُمْ فِيهَا مُخَلَّدُونَ سَأَلَهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ تَنْبِيهًا لَهُمْ عَلَى أَنَّ مَا ظَنُّوهُ دَائِمًا طَوِيلًا فَهُوَ يَسِيرٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا أَنْكَرُوهُ، فَحِينَئِذٍ تَحْصُلُ لَهُمُ الْحَسْرَةُ عَلَى مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ حَيْثُ أَيْقَنُوا خِلَافَهُ، فَلَيْسَ الْغَرَضُ السُّؤَالُ بَلِ الْغَرَضُ مَا ذَكَرْنَا. فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ يَصِحُّ فِي جَوَابِهِمْ أَنْ يَقُولُوا: لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ وَلَا يَقَعُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ الْكَذِبُ قُلْنَا لَعَلَّهُمْ نَسُوا ذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْأَهْوَالِ وَقَدِ اعْتَرَفُوا بِهَذَا النسيان حيث قالوا: فَسْئَلِ الْعادِّينَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنْسَاهُمْ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ وَقِيلَ مُرَادُهُمْ بِقَوْلِهِمْ: لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ تَصْغِيرُ لُبْثِهِمْ وَتَحْقِيرُهُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا وَقَعُوا فِيهِ وَعَرَفُوهُ مِنْ أَلِيمِ الْعَذَابِ واللَّه أَعْلَمُ.

المسألة الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ السُّؤَالَ عَنْ أَيِّ لُبْثٍ وَقَعَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لُبْثُهُمْ إِحْيَاؤُهُمْ فِي/ الدُّنْيَا وَيَكُونُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت