فهرس الكتاب

الصفحة 2906 من 6230

مَرِضَ، فَإِنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَتَذَكَّرُ ذُنُوبَهُ وَمَوْقِفَهُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، فَيَزِيدُهُ ذَلِكَ إِيمَانًا وَخَوْفًا مِنَ اللَّهِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِهِ لِمَزِيدِ الرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. الثَّانِي: قَالَ مُجَاهِدٌ: يُفْتَنُونَ بِالْقَحْطِ وَالْجُوعِ. الثَّالِثُ: قَالَ قَتَادَةُ: يفتنون بالغزو والجهاد فإنه تعالى أمر الغزو وَالْجِهَادِ فَهُمْ إِنْ تَخَلَّفُوا وَقَعُوا فِي أَلْسِنَةِ النَّاسِ بِاللَّعْنِ وَالْخِزْيِ وَالذِّكْرِ الْقَبِيحِ، وَإِنْ ذَهَبُوا إِلَى الْغَزْوِ مَعَ كَوْنِهِمْ كَافِرِينَ كَانُوا قَدْ عَرَّضُوا أَنْفُسَهَمْ لِلْقَتْلِ وَأَمْوَالَهُمْ لِلنَّهْبِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ. الرَّابِعُ: قَالَ مُقَاتِلٌ: يَفْضَحُهُمْ رَسُولُ اللَّهِ بِإِظْهَارِ نِفَاقِهِمْ وَكُفْرِهِمْ قِيلَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَجْتَمِعُونَ عَلَى ذِكْرِ الرَّسُولِ بِالطَّعْنِ فَكَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ وَيُخْبِرُهُ بِمَا قَالُوهُ فِيهِ، فَكَانَ يَذْكُرُ تِلْكَ الْحَادِثَةَ لَهُمْ وَيُوَبِّخُهُمْ عَلَيْهَا، ويعظهم فما كانوا يتعظون، ولا ينزجرون.

[سورة التوبة(9): آية 127]

وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (127)

اعْلَمْ أَنَّ هَذَا نَوْعٌ آخَرُ مِنْ مَخَازِي الْمُنَافِقِينَ، وَهُوَ أَنَّهُ كُلَّمَا نَزَلَتْ سُورَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى ذِكْرِ الْمُنَافِقِينَ وَشَرْحِ فَضَائِحِهِمْ، وَسَمِعُوهَا تَأَذَّوْا مِنْ سَمَاعِهَا، وَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ نَظَرًا مَخْصُوصًا دَالًّا عَلَى الطَّعْنِ فِي تِلْكَ السُّورَةِ وَالِاسْتِهْزَاءِ بِهَا وَتَحْقِيرِ شَأْنِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِالسُّورَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى فَضَائِحِ الْمُنَافِقِينَ بَلْ كَانُوا يَسْتَخِفُّونَ بِالْقُرْآنِ، فَكُلَّمَا سَمِعُوا سورة استهزءوا بِهَا وَطَعَنُوا فِيهَا، وَأَخَذُوا فِي التَّغَامُزِ وَالتَّضَاحُكِ عَلَى سَبِيلِ الطَّعْنِ وَالْهُزْءِ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ أَيْ لَوْ رَآكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ وَهَذَا فِيهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ:

أَنَّ ذَلِكَ النَّظَرَ دَالٌّ عَلَى مَا فِي الْبَاطِنِ مِنَ الْإِنْكَارِ الشَّدِيدِ وَالنَّفْرَةِ التَّامَّةِ، فَخَافُوا أَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ذَلِكَ النَّظَرَ وَتِلْكَ الْأَحْوَالَ الدَّالَّةَ عَلَى النِّفَاقِ وَالْكُفْرِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالُوا: هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَيْ لَوْ رَآكُمْ أَحَدٌ عَلَى هَذَا النَّظَرِ وَهَذَا الشَّكْلِ لَضَرَّكُمْ/ جِدًّا؟ وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَمِعُوا تِلْكَ السُّورَةَ تَأَذَّوْا مِنْ سَمَاعِهَا، فَأَرَادُوا الْخُرُوجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ يعني إن رأوكم فَلَا تَخْرُجُوا، إِنْ كَانَ مَا رَآكُمْ أَحَدٌ فَاخْرُجُوا مِنَ الْمَسْجِدِ، لِتَتَخَلَّصُوا عَنْ هَذَا الْإِيذَاءِ. وَالثَّالِثُ: هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ يُمْكِنُكُمْ أَنْ تَقُولُوا نُحِبُّهُ، فَوَجَبَ عَلَيْنَا الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ. قَالَ تَعَالَى: ثُمَّ انْصَرَفُوا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ نَفْسَ هَرَبِهِمْ مِنْ مَكَانِ الْوَحْيِ وَاسْتِمَاعِ الْقُرْآنِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنِ اسْتِمَاعِ الْقُرْآنِ إِلَى الطَّعْنِ فِيهِ وَإِنْ ثَبَتُوا فِي مَكَانِهِمْ.

فَإِنْ قِيلَ: مَا التَّفَاوُتُ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيْنَ الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ: وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا.

قُلْنَا: فِي تِلْكَ الْآيَةِ حَكَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا قَوْلَهُمْ: أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ حَكَى عَنْهُمْ أَنَّهُمُ اكْتَفُوا بِنَظَرِ بَعْضِهِمْ إِلَى بعض على سبيل الهزء، وَطَلَبُوا الْفِرَارَ.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِهِ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى صَرَفَهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ وَصَدَّهُمْ عَنْهُ وَهُوَ صَحِيحٌ فِيهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: عَنْ كُلِّ رُشْدٍ وَخَيْرٍ وَهُدًى، وَقَالَ الْحَسَنُ: صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَطَبَعَ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَضَلَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: لَوْ كَانَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي صَرَفَهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ فَكَيْفَ قَالَ: أَنَّى يُصْرَفُونَ وَكَيْفَ عَاقَبَهُمْ عَلَى الِانْصِرَافِ عَنِ الْإِيمَانِ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت