فهرس الكتاب

الصفحة 3093 من 6230

الْقِيامَةِ

أَيْ جُعِلَ اللَّعْنُ رَدِيفًا لَهُمْ، وَمُتَابِعًا وَمُصَاحِبًا فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، وَمَعْنَى اللَّعْنَةِ الْإِبْعَادُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّه تَعَالَى وَمِنْ كُلِّ خَيْرٍ.

ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ السَّبَبَ الْأَصْلِيَّ فِي نُزُولِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الْمَكْرُوهَةِ بِهِمْ فَقَالَ: أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ قِيلَ: أَرَادَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ فَحُذِفَ الْبَاءُ، وَقِيلَ: الْكُفْرُ هُوَ الْجَحْدُ فَالتَّقْدِيرُ: أَلَا إِنَّ عَادًا جَحَدُوا رَبَّهُمْ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ بَابِ حَذْفِ الْمُضَافِ أَيْ كَفَرُوا نِعْمَةَ رَبِّهِمْ.

ثُمَّ قَالَ: أَلا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ وَفِيهِ سُؤَالَانِ:

السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: اللَّعْنُ هُوَ الْبُعْدُ، فَلَمَّا قَالَ: وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَا الْفَائِدَةُ فِي قَوْلِهِ: أَلا بُعْدًا لِعادٍ.

وَالْجَوَابُ: التَّكْرِيرُ بِعِبَارَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ التَّأْكِيدِ.

السُّؤَالُ الثَّانِي: مَا الْفَائِدَةُ فِي قَوْلِهِ: لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ.

الْجَوَابُ: كَانَ عَادٌ عَادَيْنَ، فَالْأُولَى: الْقَدِيمَةُ هُمْ قَوْمُ هُودٍ، وَالثَّانِيَةُ: هُمْ إِرَمُ ذَاتُ الْعِمَادِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِإِزَالَةِ الِاشْتِبَاهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُبَالَغَةَ فِي التَّنْصِيصِ تَدُلُّ عَلَى مَزِيدِ التَّأْكِيدِ.

[سورة هود (11) : الآيات 61 الى 62]

وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) قالُوا يَا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62)

اعْلَمْ أَنَّ هَذَا هُوَ الْقِصَّةُ الثَّالِثَةُ مِنَ الْقَصَصِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَهِيَ قِصَّةُ صَالِحٍ مَعَ ثَمُودَ، وَنَظْمُهَا مِثْلُ النَّظْمِ المذكور في قصة هود، إلا أن هاهنا لَمَّا أَمَرَهُمْ بِالتَّوْحِيدِ ذَكَرَ فِي تَقْرِيرِهِ دَلِيلَيْنِ:

الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَفِيهِ وَجْهَانِ:

الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْكُلَّ مَخْلُوقُونَ مِنْ صُلْبِ آدَمَ، وَهُوَ كَانَ مَخْلُوقًا مِنَ الْأَرْضِ. وَأَقُولُ: هَذَا صَحِيحٌ لَكِنْ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَخْلُوقٌ مِنَ الْمَنِيِّ وَمِنْ دَمِ الطَّمْثِ، وَالْمَنِيُّ إِنَّمَا تَوَلَّدَ مِنَ الدَّمِ، فَالْإِنْسَانُ مَخْلُوقٌ مِنَ الدَّمِ، وَالدَّمُ إِنَّمَا تَوَلَّدَ مِنَ الْأَغْذِيَةِ، وَهَذِهِ الْأَغْذِيَةُ إِمَّا حَيَوَانِيَّةً وَإِمَّا نَبَاتِيَّةً، وَالْحَيَوَانَاتُ حَالُهَا كَحَالِ الْإِنْسَانِ، فَوَجَبَ انْتِهَاءُ الْكُلِّ إِلَى النَّبَاتِ وَظَاهِرٌ أَنَّ تَوَلُّدَ النَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى أَنْشَأَنَا مِنَ الْأَرْضِ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ (مِنْ) مَعْنَاهَا فِي التَّقْدِيرِ: أَنْشَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى ظَاهِرِهِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى صَرْفِهِ عَنْهُ، وَأَمَّا تَقْرِيرُ أَنَّ تَوَلُّدَ الْإِنْسَانِ مِنَ الْأَرْضِ كَيْفَ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ فَقَدْ شَرَحْنَاهُ مِرَارًا كَثِيرَةً.

الدَّلِيلُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: جَعَلَكُمْ عُمَّارَهَا، قَالُوا: كَانَ مُلُوكُ فَارِسَ قَدْ أَكْثَرُوا فِي حَفْرِ الْأَنْهَارِ وَغَرْسِ الْأَشْجَارِ، لَا جَرَمَ حَصَلَتْ لَهُمُ الْأَعْمَارُ الطَّوِيلَةُ فَسَأَلَ نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ زَمَانِهِمْ رَبَّهُ، مَا سَبَبُ تِلْكَ الْأَعْمَارِ؟ فَأَوْحَى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ أَنَّهُمْ عَمَّرُوا بِلَادِي فَعَاشَ فِيهَا عِبَادِي، وَأَخَذَ مُعَاوِيَةُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت