فهرس الكتاب

الصفحة 1230 من 6230

إِذَا بَاعَ بِالنَّقْدِ، فَذَاكَ النَّقْدُ هُنَاكَ حَاضِرٌ مَتَى شَاءَ الْبَائِعُ أَخَذَهُ، وَقَوْلُهُ: أَجْرُهُمْ عَلَى رَبِّهِمْ. يَجْرِي مَجْرَى مَا إِذَا بَاعَ بِالنَّسِيئَةِ فِي الذِّمَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَوَّلَ أَفْضَلُ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُهُمْ مِنْ أَحْوَالِ الْقِيَامَةِ، وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ بِسَبَبِ مَا تَرَكُوهُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْمُنْتَقِلَ مِنْ حَالَةٍ إِلَى حَالَةٍ أُخْرَى فَوْقَهَا رُبَّمَا يَحْزَنُ عَلَى بَعْضِ مَا فَاتَهُ مِنَ الْأَحْوَالِ السَّالِفَةِ، وَإِنْ كَانَ مُغْتَبِطًا بِالثَّانِيَةِ لِأَجْلِ إِلْفِهِ وَعَادَتِهِ، فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنَ الْغُصَّةِ لَا يَلْحَقُ أَهْلَ الثَّوَابِ وَالْكَرَامَةِ، وَقَالَ الْأَصَمُّ: لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ، وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ بِسَبَبِ أَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنَّا فِي الدُّنْيَا طَاعَةٌ أَزْيَدُ مِمَّا صَدَرَ حَتَّى صِرْنَا مُسْتَحِقِّينَ لِثَوَابٍ أَزْيَدَ مِمَّا وَجَدْنَاهُ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ الْخَوَاطِرَ لَا تُوجَدُ فِي الْآخِرَةِ.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِشْكَالٌ هُوَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتْ عَارِفَةً بِاللَّهِ وَكَمَا بَلَغَتْ حَاضَتْ، ثُمَّ عِنْدَ انْقِطَاعِ حَيْضِهَا مَاتَتْ، أَوِ الرَّجُلَ بَلَغَ عَارِفًا بِاللَّهِ، وَقَبْلَ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ مَاتَ، فَهُمَا بِالِاتِّفَاقِ مِنْ أَهْلِ الثَّوَابِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حُصُولِ الْأَعْمَالِ، وَأَيْضًا مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ يُثِيبُ الْمُؤْمِنَ الْفَاسِقَ الْخَالِيَ عَنْ جَمِيعِ الْأَعْمَالِ، وَإِذَا كَانَ كذلك، فكيف وقف الله هاهنا حُصُولَ الْأَجْرِ عَلَى حُصُولِ الْأَعْمَالِ؟.

الْجَوَابُ: أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا ذَكَرَ هَذِهِ الْخِصَالَ لَا لِأَجْلِ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الثَّوَابِ مَشْرُوطٌ بِهَذَا، بَلْ لِأَجْلِ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَثَرًا فِي جَلْبِ الثَّوَابِ، كَمَا قَالَ فِي ضِدِّ هَذَا وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ [الْفُرْقَانِ: 68] ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا [الْفُرْقَانِ: 68] وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنِ ادَّعَى مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا يَحْتَاجُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ الْعَذَابَ إِلَى عَمَلٍ آخَرَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ جَمَعَ الزِّنَا وَقَتْلَ النَّفْسِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْلَالِ مَعَ دُعَاءِ غَيْرِ اللَّهِ إِلَهًا لِبَيَانِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ من هذه الخصال يوجب العقوبة.

[سورة البقرة (2) : الآيات 278 الى 281]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (281)

[الآية في قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إلى قوله إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] فِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّ مَنِ انْتَهَى عَنِ الرِّبَا فَلَهُ مَا سَلَفَ فَقَدْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَقْبُوضِ مِنْهُ وَبَيْنَ الْبَاقِي فِي ذِمَّةِ الْقَوْمِ، فَقَالَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا وَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُقْبَضْ، فَالزِّيَادَةُ تَحْرُمُ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا إِلَّا رؤوس أموالهم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت