فهرس الكتاب

الصفحة 1182 من 6230

[سورة البقرة(2): آية 260]

وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)

الْقِصَّةُ الثَّالِثَةُ

وَهِيَ أَيْضًا دَالَّةٌ عَلَى صِحَّةِ البعث:

في قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى فِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي عَامِلِ إِذْ قَوْلَانِ قَالَ الزَّجَّاجُ التَّقْدِيرُ: اذْكُرْ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ، وَقَالَ غَيْرُهُ إِنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قوله أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ أَلَمْ تَرَ إِذْ حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ، وأ لم تَرَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تحيي الْمَوْتَى.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُسَمِّ عُزَيْرًا حِينَ قَالَ: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ [البقرة: 259] وسمى هاهنا إِبْرَاهِيمَ مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْبَحْثِ فِي كِلْتَا الْقِصَّتَيْنِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَالسَّبَبُ أَنَّ عُزَيْرًا لم يحفظ الأدب، بل قَالَ: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها وَإِبْرَاهِيمُ حَفِظَ الْأَدَبَ فَإِنَّهُ أَثْنَى عَلَى اللَّهِ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ رَبِّ ثُمَّ دَعَا حَيْثُ قَالَ: أَرِنِي وَأَيْضًا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا رَاعَى الْأَدَبَ جَعَلَ الْإِحْيَاءَ وَالْإِمَاتَةَ فِي الطُّيُورِ، وَعُزَيْرًا لَمَّا لَمْ يُرَاعِ الْأَدَبَ جَعَلَ الْإِحْيَاءَ وَالْإِمَاتَةَ فِي نَفْسِهِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: ذَكَرُوا فِي سَبَبِ سُؤَالِ إِبْرَاهِيمَ وُجُوهًا الْأَوَّلُ: قَالَ الْحَسَنُ وَالضِّحَاكُ وَقَتَادَةُ وَعَطَاءٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ: إِنَّهُ رَأَى جِيفَةً مَطْرُوحَةً فِي شَطِّ الْبَحْرِ فَإِذَا مَدَّ الْبَحْرُ أَكَلَ مِنْهَا دَوَابُّ الْبَحْرِ، وَإِذَا جَزَرَ الْبَحْرُ جَاءَتِ السِّبَاعُ فَأَكَلَتْ، وَإِذَا ذَهَبَتِ السِّبَاعُ جَاءَتِ الطُّيُورُ فَأَكَلَتْ وَطَارَتْ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تَجْمَعُ أَجْزَاءَ الْحَيَوَانِ مِنْ بُطُونِ السِّبَاعِ وَالطُّيُورِ ودواب البحر، فقيل: أو لم تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنَّ الْمَطْلُوبَ مِنَ السُّؤَالِ أَنْ يَصِيرَ الْعِلْمُ بِالِاسْتِدْلَالِ ضَرُورِيًّا.

الْوَجْهُ الثَّانِي: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَالْقَاضِي: سَبَبُ السُّؤَالِ أَنَّهُ مَعَ مُنَاظَرَتِهِ مَعَ نَمْرُوذَ لَمَّا قَالَ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ فَأَطْلَقَ مَحْبُوسًا وَقَتَلَ رَجُلًا قَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَيْسَ هَذَا بِإِحْيَاءٍ وَإِمَاتَةٍ، وَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى لِتَنْكَشِفَ هَذِهِ المسألة عند نمروذ وأتباعه، وروي عن نمرود أَنَّهُ قَالَ: قُلْ لِرَبِّكَ حَتَّى يُحْيِيَ وَإِلَّا قَتَلْتُكَ، فَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بِنَجَاتِي مِنَ الْقَتْلِ أَوْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بِقُوَّةِ حُجَّتِي وَبُرْهَانِي، وَأَنَّ عُدُولِي مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا مَا كَانَ بِسَبَبِ ضَعْفِ تِلْكَ الْحُجَّةِ، بَلْ كَانَ بِسَبَبِ جَهْلِ الْمُسْتَمِعِ.

وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالسُّدِّيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيْهِ إِنِّي مُتَّخِذٌ بَشَرًا خَلِيلًا: فَاسْتَعْظَمَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ إِلَهِي مَا عَلَامَاتُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: عَلَامَتُهُ أَنَّهُ يُحْيِي الْمَيِّتَ بِدُعَائِهِ، فَلَمَّا عَظُمَ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي دَرَجَاتِ الْعُبُودِيَّةِ وَأَدَاءِ الرِّسَالَةِ، خَطَرَ بِبَالِهِ: إِنِّي لَعَلِّي أَنْ أَكُونَ ذَلِكَ الْخَلِيلَ، فَسَأَلَ إِحْيَاءَ الْمَيِّتِ فَقَالَ اللَّهُ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي عَلَى أَنَّنِي خليل لك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت