فهرس الكتاب

الصفحة 4567 من 6230

[سورة الأحزاب(33): آية 11]

هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا (11)

أَيْ عِنْدَ ذَلِكَ امْتَحَنَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ فَتَمَيَّزَ الصَّادِقُ عَنِ الْمُنَافِقِ، وَالِامْتِحَانُ مِنَ اللَّهِ لَيْسَ لِاسْتِبَانَةِ الْأَمْرِ لَهُ بَلْ لِحِكْمَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالِمٌ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ أَرَادَ إِظْهَارَ الْأَمْرِ لِغَيْرِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ، كَمَا أَنَّ السَّيِّدَ إِذَا عَلِمَ مِنْ عَبْدِهِ الْمُخَالَفَةَ وَعَزَمَ عَلَى مُعَاقَبَتِهِ عَلَى مُخَالَفَتِهِ وَعِنْدَهُ غَيْرُهُ مِنَ الْعَبِيدِ وَغَيْرُهُمْ فَيَأْمُرُهُ بِأَمْرٍ عَالِمًا بِأَنَّهُ يُخَالِفُهُ فَيُبَيِّنُ الْأَمْرَ عِنْدَ الْغَيْرِ فَتَقَعُ الْمُعَاقَبَةُ عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ حَيْثُ لَا يَقَعُ لِأَحَدٍ أَنَّهَا بِظُلْمٍ أَوْ مِنْ قِلَّةِ حِلْمٍ وَقَوْلُهُ: وَزُلْزِلُوا أَيْ أُزْعِجُوا وَحُرِّكُوا فَمَنْ ثَبَتَ مِنْهُمْ كَانَ مِنَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، وَبِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ مَرَّةً أُخْرَى، وهم المؤمنون حقا. ثم قال تعالى:

[سورة الأحزاب (33) : الآيات 12 الى 13]

وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا (12) وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرارًا (13)

فَسَّرَ الظُّنُونَ وَبَيَّنَهَا، فَظَنَّ الْمُنَافِقُونَ أَنَّ مَا قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ كَانَ زُورًا وَوَعْدُهُمَا كَانَ غُرُورًا حَيْثُ قَطَعُوا بِأَنَّ الْغَلَبَةَ وَاقِعَةٌ وَقَوْلُهُ: وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقامَ لَكُمْ أَيْ لَا وَجْهَ لِإِقَامَتِكُمْ مَعَ مُحَمَّدٍ كَمَا يُقَالُ لَا إِقَامَةَ عَلَى الذُّلِّ وَالْهَوَانِ أَيْ لَا وَجْهَ لَهَا وَيَثْرِبُ اسْمٌ لِلْبُقْعَةِ الَّتِي هِيَ الْمَدِينَةُ فَارْجِعُوا أَيْ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَاتَّفِقُوا مَعَ الْأَحْزَابِ تَخْرُجُوا مِنَ الْأَحْزَانِ ثُمَّ السَّامِعُونَ عَزَمُوا عَلَى الرُّجُوعِ وَاسْتَأْذَنُوهُ وَتَعَلَّلُوا بِأَنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ أَيْ فِيهَا خَلَلٌ لَا يَأْمَنُ صَاحِبُهَا السَّارِقَ عَلَى مَتَاعِهِ وَالْعَدُوَّ عَلَى أَتْبَاعِهِ ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ كَذِبَهُمْ بِقَوْلِهِ: وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ وَبَيَّنَ قَصْدَهُمْ وَمَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَهُوَ الْفِرَارُ وزوال القرار بسبب الخوف/ ثم قال تعالى:

[سورة الأحزاب (33) : آية 14]

وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاَّ يَسِيرًا (14)

إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ الْفِرَارَ وَالرُّجُوعَ لَيْسَ لِحِفْظِ الْبُيُوتِ لِأَنَّ مَنْ يَفْعَلُ فِعْلًا لِغَرَضٍ، فَإِذَا فَاتَهُ الْغَرَضُ لَا يَفْعَلُهُ، كَمَنْ يَبْذُلُ الْمَالَ لِكَيْ لَا يُؤْخَذَ مِنْهُ بَيْتُهُ فَإِذَا أُخِذَ مِنْهُ الْبَيْتُ لَا يَبْذُلُهُ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى هُمْ قَالُوا بِأَنَّ رُجُوعَنَا عَنْكَ لِحِفْظِ بُيُوتِنَا وَلَوْ دَخَلَهَا الْأَحْزَابُ وَأَخَذُوهَا مِنْهُمْ لَرَجَعُوا أَيْضًا، وَلَيْسَ رُجُوعُهُمْ عَنْكَ إِلَّا بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وَحُبِّهِمُ الْفِتْنَةَ، وَقَوْلُهُ: وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْمَدِينَةَ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْبُيُوتَ، وَقَوْلُهُ:

وَما تَلَبَّثُوا بِها يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْفِتْنَةَ إِلَّا يَسِيرًا فَإِنَّهَا تَزُولُ وَتَكُونُ الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْمَدِينَةَ أَوِ الْبُيُوتَ أَيِ مَا تَلَبَّثُوا بِالْمَدِينَةِ إلا يسيرا فإن المؤمنين يخرجونهم. ثم قال تعالى:

[سورة الأحزاب (33) : الآيات 15 الى 16]

وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا (15) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلًا (16)

بَيَانًا لِفَسَادِ سَرِيرَتِهِمْ وَقُبْحِ سِيرَتِهِمْ لِنَقْضِهِمُ الْعُهُودَ فَإِنَّهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ تَخَلَّفُوا وَأَظْهَرُوا عُذْرًا وندما، وذكروا أن القتال لا يزال لَهُمْ قَدَمًا ثُمَّ هَدَّدَهُمْ بِقَوْلِهِ: وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا وَقَوْلُهُ: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْأُمُورَ مُقَدَّرَةٌ لَا يُمْكِنُ الْفِرَارُ مِمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ الْقَرَارُ، وَمَا قَدَّرَهُ اللَّهُ كَائِنٌ فَمَنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت