فهرس الكتاب

الصفحة 2069 من 6230

لِأَنَّ الرَّسُولَ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ فَرِيقَيْنِ.

وَالْجَوَابُ: أَنَّ جَوَابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، وَإِنَّمَا جَازَ حَذْفُهُ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وَالتَّقْدِيرُ: كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ نَاصَبُوهُ، ثُمَّ إِنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ نَاصَبُوهُ؟ فَقِيلَ: فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ. وَقَوْلُهُ: الرَّسُولُ الْوَاحِدُ لَا يَكُونُ فَرِيقَيْنِ. فَنَقُولُ: إِنَّ قَوْلَهُ كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ يَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ الرُّسُلِ، فَلَا جَرَمَ جَعَلَهُمْ فَرِيقَيْنِ.

السُّؤَالُ الثَّانِي: لِمَ ذُكِرَ أَحَدُ الْفِعْلَيْنِ مَاضِيًا، وَالْآخَرُ مُضَارِعًا؟

وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّهُمْ كَيْفَ كَانُوا يُكَذِّبُونَ عِيسَى وَمُوسَى فِي كُلِّ مَقَامٍ، وَكَيْفَ كَانُوا يَتَمَرَّدُونَ عَلَى أَوَامِرِهِ وَتَكَالِيفِهِ، وَأَنَّهُ عَلَيْهِ السلام إنما توفى في التيه على قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِشُؤْمِ تَمَرُّدِهِمْ عَنْ قَبُولِ قَوْلِهِ فِي مُقَاتَلَةِ الْجَبَّارِينَ.

وَأَمَّا الْقَتْلُ فَهُوَ مَا اتَّفَقَ لَهُمْ فِي حَقِّ زَكَرِيَّا وَيَحْيَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَكَانُوا قَدْ قَصَدُوا أَيْضًا قَتْلَ عِيسَى وَإِنْ كَانَ اللَّه مَنَعَهُمْ عَنْ مُرَادِهِمْ وَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ، فَذِكْرُ التَّكْذِيبِ بِلَفْظِ الْمَاضِي هُنَا إِشَارَةٌ إِلَى مُعَامَلَتِهِمْ مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَنَّهُ قَدِ انْقَضَى مِنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ أَدْوَارٌ كَثِيرَةٌ، وَذِكْرُ الْقَتْلِ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ إِشَارَةٌ إِلَى مُعَامَلَتِهِمْ مَعَ زَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى عَلَيْهِمُ السَّلَامُ لِكَوْنِ ذَلِكَ الزَّمَانِ قَرِيبًا فَكَانَ كَالْحَاضِرِ.

السُّؤَالُ الثَّالِثُ: مَا الْفَائِدَةُ فِي تَقْدِيمِ الْمَفْعُولِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ.

وَالْجَوَابُ: قَدْ عَرَفْتَ أَنَّ التَّقْدِيمَ إِنَّمَا يَكُونُ لِشِدَّةِ الْعِنَايَةِ، فَالتَّكْذِيبُ وَالْقَتْلُ وَإِنْ كَانَا مُنْكَرَيْنِ إِلَّا أَنَّ تَكْذِيبَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وقتلهم أقبح، فكان التقديم لهذه الفائدة.

[سورة المائدة(5): آية 71]

وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (71)

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو عَمْرٍو أَنْ لَا تَكُونُ فِتْنَةٌ بِرَفْعِ نُونِ (تَكُونُ) وَالْبَاقُونَ بِالنَّصْبِ، وَذَكَرَ الْوَاحِدِيُّ لِهَذَا تَقْرِيرًا حَسَنًا فَقَالَ: الْأَفْعَالُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَى ثَبَاتِ الشَّيْءِ وَاسْتِقْرَارِهِ نَحْوَ:

الْعِلْمُ وَالتَّيَقُّنُ وَالتَّبَيُّنُ، فَمَا كَانَ مِثْلَ هَذَا يَقَعُ بعده (أن) الثقيلة ولم يَقَعُ بَعْدَهُ (أَنْ) الْخَفِيفَةُ النَّاصِبَةُ لِلْفِعْلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الثَّقِيلَةَ تَدُلُّ عَلَى ثَبَاتِ الشَّيْءِ وَاسْتِقْرَارِهِ، فَإِذَا كَانَ الْعِلْمُ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِقْرَارِ وَالثَّبَاتِ وَ (أَنَّ) الثَّقِيلَةُ تُفِيدُ هَذَا الْمَعْنَى حَصَلَتْ بَيْنَهُمَا مُوَافَقَةٌ وَمُجَانَسَةٌ، وَمِثَالُهُ مِنَ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ[النُّورِ:

25]أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ [التَّوْبَةِ: 104] أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى [الْعَلَقِ: 14] وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ.

وَالضَّرْبُ الثَّانِي: فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ الثَّبَاتِ وَالِاسْتِقْرَارِ، نَحْوَ: أَطْمَعُ وَأَخَافُ وَأَرْجُو، فَهَذَا لَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ إِلَّا الْخَفِيفَةُ النَّاصِبَةُ لِلْفِعْلِ. قَالَ تَعَالَى: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي [الشُّعَرَاءِ: 82] تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ [الْأَنْفَالِ: 26] فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما [الْكَهْفِ: 80] .

وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: فِعْلٌ يَحْذُو مَرَّةً إِلَى هَذَا الْقَبِيلِ وَمَرَّةً أُخْرَى إِلَى ذَلِكَ الْقَبِيلِ نَحْوَ: حَسِبَ وَأَخَوَاتِهَا، فَتَارَةً تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى أَطْمَعُ وَأَرْجُو فِيمَا لَا يَكُونُ ثَابِتًا وَمُسْتَقِرًّا، وَتَارَةً بِمَعْنَى الْعِلْمِ فِيمَا يَكُونُ مُسْتَقِرًّا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت