فهرس الكتاب

الصفحة 1987 من 6230

الثَّوَابِ، وَقَوْلُهُ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ فِيهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ قَالَ أَوَّلًا وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: وَأَيُّ شَيْءٍ وَعَدَهُمْ؟ فَقَالَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ الثَّانِي: التَّقْدِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: وَعَدَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَالَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ، وَالثَّالِثُ: أَجْرَى قَوْلَهُ وَعَدَ مَجْرَى قَالَ، وَالتَّقْدِيرُ: قَالَ اللَّه فِي الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ، وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ وَعَدَ وَاقِعًا عَلَى جُمْلَةِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ أَيْ وَعَدَهُمْ بِهَذَا الْمَجْمُوعِ.

فَإِنْ قِيلَ: لِمَ أَخْبَرَ عَنْ هَذَا الْوَعْدِ مَعَ أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ بِالْمَوْعُودِ بِهِ كَانَ ذَلِكَ أَقْوَى؟

قُلْنَا: بَلِ الْإِخْبَارُ عَنْ كَوْنِ هَذَا الْوَعْدِ وَعْدَ اللَّه أَقْوَى. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَضَافَ هَذَا الْوَعْدَ إِلَى اللَّه تَعَالَى فَقَالَ وَعَدَ اللَّهُ وَالْإِلَهُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ قَادِرًا عَلَى جَمِيعِ الْمَقْدُورَاتِ عَالِمًا بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ غَنِيًّا عَنْ كُلِّ الْحَاجَاتِ، وَهَذَا يَمْتَنِعُ الْخُلْفُ فِي وَعْدِهِ، لِأَنَّ دُخُولَ الْخُلْفِ إِنَّمَا يَكُونُ إِمَّا لِلْجَهْلِ حَيْثُ يَنْسَى وَعْدَهُ، وَإِمَّا لِلْعَجْزِ حَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْوَفَاءِ بِوَعْدِهِ، وَإِمَّا لِلْبُخْلِ حَيْثُ يَمْنَعُهُ الْبُخْلُ عَنِ الْوَفَاءِ بِالْوَعْدِ، وَإِمَّا لِلْحَاجَةِ، فَإِذَا كَانَ الْإِلَهُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنْ كُلِّ هَذِهِ الْوُجُوهِ كَانَ دُخُولُ الْخُلْفِ فِي وَعْدِهِ مُحَالًا، فَكَانَ الْإِخْبَارُ عَنْ هَذَا الْوَعْدِ أَوْكَدَ وَأَقْوَى مِنْ نَفْسِ الْإِخْبَارِ عَنِ الْمَوْعُودِ بِهِ، وَأَيْضًا فَلِأَنَّ هَذَا الْوَعْدَ يَصِلُ إليه قبل الموت فيفيده السرور عن سَكَرَاتِ الْمَوْتِ فَتَسْهُلُ بِسَبَبِهِ/ تِلْكَ الشَّدَائِدُ، وَبَعْدَ الْمَوْتِ يَسْهُلُ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ الْبَقَاءُ فِي ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَفِي عَرْصَةِ الْقِيَامَةِ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ تِلْكَ الأهوال.

[سورة المائدة(5): آية 10]

وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (10)

ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَعِيدَ الْكُفَّارِ فَقَالَ: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ.

هَذِهِ الْآيَةُ نَصٌّ قَاطِعٌ فِي أَنَّ الْخُلُودَ لَيْسَ إِلَّا لِلْكُفَّارِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ يُفِيدُ الْحَصْرَ، وَالْمُصَاحَبَةُ تَقْتَضِي الْمُلَازَمَةَ كَمَا يقال: أصحاب الصحراء، أي الملازمون لها.

[سورة المائدة (5) : آية 11]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11)

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَفِيهِ مَسَائِلُ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ كَانُوا غَالِبِينَ، وَالْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَقْهُورِينَ مَغْلُوبِينَ، وَلَقَدْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ أَبَدًا يُرِيدُونَ إِيقَاعَ الْبَلَاءِ وَالْقَتْلِ وَالنَّهْبِ بِالْمُسْلِمِينَ، واللَّه تَعَالَى كَانَ يَمْنَعُهُمْ عَنْ مَطْلُوبِهِمْ إِلَى أَنْ قَوِيَ الْإِسْلَامُ وَعَظُمَتْ شَوْكَةُ المسلمين فقال تعالى: اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ وَهُوَ الْمُشْرِكُونَ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ بِالْقَتْلِ وَالنَّهْبِ وَالنَّفْيِ فَكَفَّ اللَّه تَعَالَى بِلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ أَيْدِيَ الْكُفَّارِ عَنْكُمْ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، وَمِثْلُ هَذَا الْإِنْعَامِ الْعَظِيمِ يُوجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَتَّقُوا مَعَاصِيَهُ وَمُخَالَفَتَهُ.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أَيْ كُونُوا مُوَاظِبِينَ عَلَى طَاعَةِ اللَّه تَعَالَى، وَلَا تَخَافُوا أَحَدًا فِي إِقَامَةِ طَاعَاتِ اللَّه تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت